تعرف على البطل الخفي لعملية “غصن الزيتون” في عفرين

استخدم وزير الدفاع التركي نور الدين جانيكلي عبارة “نشكر جهاز الاستخبارات” خلال اللقاء الذي عقده مع مجموعة من نوّاب البرلمان عن حزب العدالة والتنمية.

يعتبر جهاز الاستخبارات هو البطل الخفي لعملية غصن الزيتون في عفرين. ولو سألتم لماذا، فسأقول لأن جهاز الاستخبارات هو الذي يقدم الجزء الأكبر من إحداثيات الأهداف في العمليات البرية والجوية المستمرة منذ 54 يومًا.

فالمناطق التي يتمركز بها عناصر بي كا كا/ي ب ك ومخازن ذخيرتها والمخابئ يجري تحديدها بواسطة الاستخبارات البشرية والإلكترونية، ثمّ يشار إليها بالليزر لتستهدفها العناصر الجوية والبرية.

يمكن فهم المسألة أكثر عندما نضيف إلى عبارة “نشكر جهاز الاستخبارات” التي قالها وزير الدفاع؛ ما قاله أحد الشخصيات البارزة في عالم السياسة عندما قال “جهاز الاستخبارات يسيطر على الملف السوري”.

هذا فضلا عن أننا يمكننا القول إن “العمل المتناغم” بين رئيس هيئة الأركان خلوصي أكار ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان يجعل هناك إمكانية لعملية “مشاركة ذات تأثير” بين القوات المسلحة والاستخبارات.

لجهاز الاستخبارات مساهمة ثانية في عملية غصن الزيتون، ألا وهي دعم إدارة وتنسيق الجيش السوري الحر الذي يقاتل على الجبهة بالتعاون مع القوات المسلحة التركية٬ وهذه ليست مهمة سهلة.

فعقب إتمام برنامج التدريب والتجهيز الذي أجري قبل عدة سنوات بالتعاون مع الولايات المتحدة شُكلت قوة من 60 فردا فقط من أفراد الجيش السوري الحر، غير أن هذه القوة الضئيلة اعتقلت على يد عناصر داعش عقب عبورها إلى سوريا في “فيلم كوميدي”، وها نحن الآن نتحدث عن تشكيل تركيا بمفردها لقوة جديدة من عناصر الجيش السوري الحر قوامها آلاف المقاتلين.

كما أنني أعتقد أنه لم يكن من السهل التحكم بالدفاع المعنوي للجماعات التي احتقرها أكبر أحزاب المعارضة، حزب الشعب الجمهوري، مطلِقًا عليها لقب “اللصوص” في الأيام الحساسة التي بدأت فيها عملية غصن الزيتون كذلك.

ماذا بعد السيطرة على منبج؟

لننتقل للحديث عن “نتائج” اللقاء الذي عقدت الجولة الأولى منه مع الولايات المتحدة في العاصمة واشنطن حول سوريا.

بدأت الصحافة الأمريكية تتناقل أخبارًا عن نتائج اللقاءات التي عقدت بين المسؤولين الأتراك والأمريكيين. وقد نشرت صحيفة واشنطن بوست التي حصلت على أخبار مبشرة من داخل صفوف الحكومة خبرًا قالت فيه “ستسحب الولايات المتحدة الأكراد إلى شرق الفرات بناء على طلب تركيا وستخرجهم من منبج”.

ويمكن اعتبار هذا الخبر واحدًا من النتائج الملموسة التي أسفر عنها اجتماع واشنطن.

وكانت التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو أمس إلى الصحفيين متطابقة مع محتوى تلك الأخبار؛ إذ لخص التوافق بشأن مسألة منبج الذي جرى التوصل إليه خلال لقاءات اللجنة في واشنطن كالتالي:

“ستتولى القوات التركية والأمريكية مهمة توفير الأمن في منبج بعد انسحاب عناصر ي ب ج منها، فالدولتان ستشرفان على عملية الانسحاب”.

أورد تلخيص حكاية منبج بما أننا تطرّقنا للحديث عنها. يمكننا النظر إلى هذا الجزء من تلك المسألة على النحو التالي:

كانت الولايات المتحدة ساهمت في سيطرة بي كا كا/ي ب ك على منبج، ثم انتقلت إلى غرب الفرات لتضع اللبنة الأولى لتأسيس دولة بي كا كا على الحدود الجنوبية لتركيا. ولو كانت الأمور سارت كما أرادت، لكانت دمجت منبج وعفرين وأكملت هذا المشروع بنجاح. وفي الحقيقة كان هذا المشروع على وشك الاكتمال حقا.

لم يكن هناك سوى مسافة 7 – 8 كيلومترات لربط منبج بعفرين خلال الأيام التي بدأت فيها عملية درع الفرات يوم 24 أغسطس/آب 2016. لكن عندما تحركت تركيا فشل مشروع نقل دولة بي كا كا إلى غرب الفرات.

هذا فضلا عن أن العقول المستسلمة التي تعتقد أن كل ما تريده أمريكا يُنفَّذ؛ يمكنها أن تعتبر بهذه المعلومات ولا تنساها أبدًا ما حيت.

لكن دعوني أقلْ في هذا المقام إنّ تركيا لا ولن تقبل بأي حال أن يُفرَض عليها من قبيل “خذوا منبج ولا علاقة لكم بما سواها” التي من المحتمل أن نسمعها خلال الفترة المقبلة. وإذا سألتم كيف؟ هذا لأنني نعلم جميعًا أنّ كل المسؤولين الأتراك الذين أدلوا بتصريحات بشأن هذه الأمور، وفي مقدمتهم الرئيس أردوغان، استخدموا اللغة ذاتها في كل مرّة قائلين “منبج أولا، ثم متابعة السير نحو شرق الفرات”.

والجميع يعلم أنّ تهديد بي كا كا شرق الفرات أكبر بالنسبة لأمن تركيا مقارنة بتهديده غرب الفرات.

وكانت الولايات المتحدة قد زودت بي كا كا بنحو 4900 شاحنة محملة بالأسلحة في تلك المنطقة. ولا شك أنّ “الإرادة” الراغبة في استخدام هذه الأسلحة ضدّ تركيا إذا ما سنحت الفرصة المناسبة لا تزال كما هي لم تتغير. وأما نهاية هذا الأمر فستكون إقدام حلفاء واشنطن على إجراء تفضيل على المستوى الاستراتيجي وليس التكتيكي.

وقد وردت عبارة مهمة في تصريح جاويش أوغلو أمس. فلو طبّق هذا الأمر حقا كما جرى الاتفاق بشأنه، فيمكننا اعتبار هذا الوضع على أنه اتجاه استراتيجي لا تكتيكي. وكانت تلك العبارة كالتالي:

“سنطبق هذا النموذج أولا في منبج، ثم في بقية المناطق، وهو ما سيحدث كذلك في الرقة والمناطق التي يسيطر عليها ي ب ج شرق الفرات”.

وبهذه الطريقة تكون تركيا قد قالت للولايات المتحدة “دعوكم من بي كا كا، فنحن موجودون”.

وما نفهمه من تصريحات وزير الخارجية التركي أن نظيره الأمريكي فطن الرسالة، لكنه ليس واضحًا ما سيقوله البنتاغون الذي يرعى عناصر إرهابية مسلحة، فمن يقف أمامنا الآن رجل تعلو البسمة إحدى وجنتيه، فيما آثار الغضب مرسومة على وجنته الأخرى، وهو ما يجعلنا عاجزين عن الرد على سؤال “ماذا يريد هذا الرجل إذن؟”

محمد اجات ـ يني شفق

اضف تعليق