رسالتنا من بيت الله الحرام.. يد الله تجمعنا وتنصرنا

كل عام في مثل هذه الأيام المباركة، يتوافد ملايين المسلمين من كل فج عميق في هذا الكوكب، إلى مركز الكون.. إلى الكعبة المشرفة في بيت الله الحرام في مكة المكرمة، لأداء فريضة الحج.

حدث ربما أصبح هو أو أصبحت أخباره أمرا روتينيا بالنسبة لبعض المسلمين، متغافلين عن حقيقة المعاني الكثيرة والعظيمة التي يتميز بها هذا المؤتمر العالمي، الذي لا يشبه أي مؤتمر قد ينظمه البشر لا اليوم ولا غدا.

مع الأهمية الكبرى للمناسك التي يؤديها الحاج في هذه البقعة المباركة الطاهرة والتي لا يصح حجه بدونها، إلا أن هناك معان أخرى يجب أن لا يتغافل عنها سواء الحاج المؤدي للمناسك أوالمسلم الذي يتابعه عبر وسائل الاتصالات الحديثة.

معان يجب أن لا تبقى حبيسة التدوينات والمقالات والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى خطب الجمعة والدروس في المساجد، بل يجب على المسلم أن يطلق سراحها لتكون حرة فتحررُه هي من كل سوء وضرر وخطر.

أكرمنا الله تعالى أن نكون هنا العام في صفوف الحجيج، مشاهدين بأم العين عظمة هذا المؤتمر الكوني، فكانت هذه التدوينة من بيت الله الحرام، علها تكون ذات تأثير على البعض بغض النظر عن كاتبها.

هنا حول هذه الكعبة المشرفة العظيمة التي تكتسي بثوب أسود اللون أبيض المنظر، وإحرام يزنّرُها بهيبة الحج ومعانيه، ونور يعلوها إلى ما شاء الله… هنا تتأكد أن كل معاني الإنسانية والوحدة والأخلاق والرحمة التي تنادي بها المؤسسات والهيئات والمنظمات الدولية، ما هي إلا شعارات صغيرة أمام عظمة معاني الوحدة والعدل والمساواة التي تطوف حول بيت الله العتيق.

هنا حول مركز الكون، لا يمكنك أن يميّز بين غني وفقير، بين مسؤول ومواطن، بين مقتدر ومحتاج، بين وبين.. فالكل سواسية بثيابهم البيضاء التي أتوا بها إلى هنا طالبين أن تكون أيضا قلوبهم بيضاء نقية.

أتوا جميعا، من كافة بقاع الأرض، من كل الأعراق والقوميات والأجناس و الألوان والثقافات والتوجهات والمذاهب والطرق واللغات.. من أفلح منهم هو ذاك الذي أيقن بقلبه أن تلك الاختلافات ما هي إلا أمور صوريّة مركبة وأن الحقيقة المطلقة هي هنا حول الكعبة المشرفة، هي هنا في هذه الصورة الحقيقة الوحدوية العادلة التي تطوف وتطوف ولا يتغير لونها عن الأبيض الناصع ظاهرا وباطنا.

صورة تضم بين نواحيها وأجزائها البيضاء عظمة ووحدة وأخلاقا وتربية ونظاما ومنهجا واستراتيجية، هي من أهم معاني الحج.. أن يد الله تجمع المؤمنين ولا تفرقهم، توحد بينهم ولا تشتتهم، تلملم ضياعهم ولا تخذلهم، تكفكف أحزانهم ولا تظلمهم، تنير طريقهم ولا تضيّعهم، تنصرهم ولا تخذلهم، تعزهم ولا تذلهم، تعظّمهم ولا تحقّرهم، ترفع شأنهم ولا تطمس ذكرهم.

شرط واحد لمن أراد كل ما سلف، سواء كان اليوم هنا حول الكعبة المشرفة أو كان ممن يتابع سير الحجيج عبر وسائل الاتصالات أو كان ممن يقرأ هذه التدوينة.. “وكان حقا علينا نصر المؤمنين” و”يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.

“المؤمنين” و”يا أيها الذين آمنوا”… بتحقق شرط الإيمان الحقيقي لا مجرد اللفظ والكلام تتحقق الوحدة ويتحقق النصر وتتطاير الأحزان وتهون قوة العدو وتُناصر البصائر والقلوب وتسعد الحياة وتحلو الآخرة.

ومن هنا، من أمام الكعبة المشرفة تطير إليكم هذه الرسالة محملة بعطر الحجر الأسود، أن الوقت قد حان فعلا كي نحقق في أنفسنا إيمانا يؤهّلنا لنكون ممن تنصرهم يد الله.. فأيقنوا أن يد الله تجمعنا لا سلطة فلان ولا مال علان ولا سطوة ظالم ولا دنيا فانية ولا أهواء مزيفة ولا مصالح آنية.. يد الله تجمعنا وتنصرنا.

خاص تركيا الان
حمزة تكين ـ صحفي وكاتب تركي

اضف تعليق