بشرى إدلب من سوتشي.. ثمة خطر أكبر من الحرب السورية! تلك “الخريطة” ايضا كانت على الطاولة

أوقف الزعيمان التركي والروسي من خلال اللقاء الذي عقداه في مدينة سوتشي الروسية أمس التدخل في مدينة إدلب السورية والاشتباكات التي كانت ستعيد إشعال فتيل الحرب هناك. وهذا ما نعتبره نصرًا وأقوى رد على الراغبين في إشعال فتيل الحرب السورية من جديد وأقوى ضربة موجهة للذين جعلوا الأنظار تتجه نحو إدلب للتستر على مخططاتهم الأخرى التي يضعونها ليل نهار في شرق الفرات.

دعوني أسرد لكم سبب هذا..

إنّ أكبر أزمة في سوريا اليوم ليست إدلب، بل منطقة شرق الفرات، فالخطر الكبير يكمن هناك؛ إذ تجري الاستعدادات على قدم وساق لاستهداف مستقبل تركيا. ولو أصبحنا ذات يوم طرفا في صراع إقليمي “مفتوح”، فإن تلك المنطقة ستكون هي جبهة ذلك الصراع ضدّ تركيا. ذلك أنّ الهجوم ضد وحدة تركيا سيأتي من تلك المنطقة، ولأن كذلك الخريطة التي يحاولون رسمها هناك هي جزء من مخطط يستهدف وحدة الأراضي التركية.

لقد تم حل قضية إدلب من خلال اتفاق ثلاثي إلى أن يتم التوصل إلى حل في سوريا، وهذا الاتفاق هو اتفاق “عدم الاشتباك” الذي توصلت إليه تركيا وروسيا وإيران. فإذا كان البعض يستعد لتنفيذ هجوم عسكري في إدلب أو يرغب في ذلك بالرغم من هذا الاتفاق، فهذا يعني أنه يريد إذكاء نيران الاشتباكات ونزع فتيل الحرب السورية من جديد.

إن الضغط المجمع في إدلب وشرق المتوسط إنما هو من أجل إكساب منطقة شرق الفرات بعض الوقت وصرف الأنظار عن هذه المنطقة. فروسيا وإيران والنظام السوري واقعون فريسة لفخ كبير للغاية لأنهم يمهدون الطريق للعبة سرية تلعبها الولايات المتحدة.

عقلية مدمرة في الداخل تضلل عقولنا

ثمة احتمال قوي مفاده أن تكون الخريطة التي وضعت في شرق الفرات هي الهدف الرئيس لجر سوريا نحو الحرب. ولقد أدركت دول المنطقة هذا الأمر متأخرا. كما أن بعض المشاكل المتعلقة بسياسة تركيا في سوريا كانت – في الواقع – نتيجة توجيه بعض الأوساط العملية في الداخل، والتي تعتبر جزءا من هذا المخطط، لتركيا والجهات المعنية في هذا الاتجاه.

والسبب في هذا أن ذلك المخطط له الكثير من الداعمين داخل تركيا، وهو ما لا يعتبر مناسبًا أبدًا لأهداف بلدنا القومية، بل على العكس تماما فهي “عقلية مدمرة”. وإن بدت هذه العقلية ساكنة في الوقت الحاضر، فإنها ستتحرك مجددا عندما يحين الوقت المناسب، وهو أمر في غاية الوضوح.

إننا إمام مخطط خطير يتم تنفيذه من خلال الولايات المتحدة وتنظيم بي كا كا الإرهابي ويرمي إلى تقسيم المنطقة مع شمال العراق والوصول إلى البحر المتوسط بالطريقة التي تشمل كذلك المخزون الغني من النفط في البلاد.

ثمة أجزاء من مخطط الخريطة تشمل تركيا وإيران كذلك

أقولها صراحة؛ إن هذا هو أكبر تهديد يستهدف مستقبل تركيا. فهم قد لجؤوا حتى إلى تنفيذ محاولات الانقلاب وإشعال فتيل الصراعات الداخلية في تركيا من أجل تنفيذ هذا المخطط. وأما أي إهمال، ولو بسيط، في مواجهة هذا التهديد سيؤدي إلى نتائج باهظة الثمن بالنسبة لمستقبل بلدنا.

إن هذا المخطط هو المرحلة الأولى من “خريطة” كبيرة للغاية سيتم تنفيذها من خلال العراق وسوريا وبعد ذلك مباشرة من خلال تركيا وإيران. فإذا كان الأمر كذلك، فبعد أن يوحدوا شمال العراق وشمال سوريا في خريطة مشتركة، سيحاولون إجبارنا على قبول تهديدات مثل الحرب المفتوحة والهجمات المتعددة إذا لزم الأمر من أجل تنفيذ مرحلة تركيا. ولهذا علينا قبول هذا الأمر والاستعداد لمواجهته مقدما.

اقتراب خطر جديد لا يقل خطورة عن حرب سوريا

إن كل محاولة تحاول تخفيف هذا التهديد وصرف الأنظار عنه وكل وسط سيئ النية يحاول فعل هذا هو ممثل عن أجندة أخرى. فإذا أمكن إرجاء هذه الخريطة سيكون هذا الخطر كذلك قد تم تأجيله، وبقدر الحيلولة دون تنفيذها سنكون قد منعنا هذا الخطر من تهديدنا.

إننا أمام خطر أكبر من النظام السوري بالنسبة لتركيا وإيران، وبطبيعة الحال للعراق وسوريا أيضًا. لا أعلم إلى أي مدى نحن مدركون هذا الأمر، لكن لم استمر الوضع على هذه الشاكلة فلا يمكن لأحد أن يرى تفجر أزمات لا تقل عن حجم الحرب السورية خلال السنوات المقبلة على هيئة “احتمال” فقط. ولهذا يجب على تلك البلدان التحرك من الآن من أجل خريطة تشمل أراضيهم بمرور الوقت، وأن تخوض كفاحا مشتركًا – إن لزم الأمر – أو كلا على حدة بما لا يضر بمصلحة الآخرين.

النظام عاجز عن حماية إدلب.. ستنفذ تلك الخريطة

تعتبر إدلب بالنسبة لنا إغلاق البوابة المفتوحة على شرق المتوسط. وأما حساسيتنا في إدلب فهي مبادرة للحيلولة دون حدوث تمزق لن يستطيع نظام دمشق أبدًا منعه. ذلك أن الخريطة التي تبدأ من حدود إيران شرقا وتمتد حتى البحر المتوسط غربا تضم ثلث أراضي سوريا، ولهذا فهي ستمزق أراضيها.

فلو تم التحريض من جديد على الاشتباكات في إدلب وسيطر النظام على المنطقة، فإن واضعو تلك الخريطة سيدمرون إدلب وسيكلمون خريطتهم. وأما نحن فسنواجه بمرور الوقت ذلك الاحتلال المستقر في إدلب وهو ينتقل إلى عفرين ومنها بعد ذلك إلى هاتاي.

على المنطقة بأسرها خوض كفاح مشترك ضدّ هذا الاحتلال

إذا نظرنا إلى المنطقة كجسد واحد يمكننا أن نرى هذه الحقيقة، وهذا يصير ممكنًا عندما يتشكل لدينا منظور إقليمي. ولكن عندما نحبس أنفسنا في الأركان الضيقة فإن من يغرقوننا في التفاصيل سيصرفون أبصارنا عن تلك المخططات الكبرى. ذلك أنهم فعلوا هذا دائما ونجحوا فيه.

يجب على جميع شعوب المنطقة، من أتراك وعرب وإيرانيين والراغبين في حرية المنطقة وشرفها، التحرك لمواجهة هذا الاحتلال وتلك الخريطة. يجب خوض أكبر كفاح ضد هذا الاحتلال. ذلك أنهم يضعون حجر الأساس لحرب مستقبلية كبيرة، ويخططون لتدمير المنطقة بأسرها من خلال هذه الخريطة.

الاتفاق في سوتشي ومنع التدخل في إدلب

كان لقاء أردوغان وبوتين أمس في سوتشي الأمل الأخير للمنطقة بأسرها. والسبب هو أن الزعيمين مدركان لجميع المخططات المعلنة والخفية التي تنفذ من خلال سوريا. كما أدركت روسيا حساسية تركيا المتعلق بإدلب، وفي الواقع لقد أدركت موسكو الخطر الكبير.

ستبدأ عملية نزع السلاح اعتبارًا من منتصف أكتوبر/تشرين الأول المقبل وستستمر المبادرة الخاصة بمفاوضات الأستانة. كما ستقام منطقة عازلة بين قوات النظام والمعارضة، وستضمن موسكو عدم التدخل عسكريا في إدلب. لقد منع التدخل العسكري وبالتالي المأساة الإنسانية في إدلب. وهو ما يعتبر نصرًا كبيرًا لهؤلاء المظلومين وخسارة كبرى لمن يضعون المخططات في شرق الفرات.

شرق الفرات كذلك كان على الطاولة: إدراك الخطر

لقد نجح أردوغان وبوتين حتى اليوم في التغلب على كل الأزمات من خلال اللقاءات الثنائية، وهو ما حدث كذلك هذه المرة. فالزعيمان نجحا في الحيلولة دون تفاقم أزمة كبيرة للغاية بالرغم من الضغوط والمؤامرات التي يمارسها العالم، وهو ما يعد نجاحًا كبيرًا.

لقد كشف النقاب بتصريحات من أردوغان عن أنّ مسألة شرق الفرات، التي أشرت إليها آنفًا، كانت مطروحة على طاولة الحوار بينه وبين بوتين. ولهذا فإنّ توافق الزعيمين حول هذا الخطر يعتبر أمرًا باعثًا على الأمل بالنسبة لسوريا والمنطقة كلها.

ابراهيم كراجول – يني شفق

اضف تعليق