ماذا خسر السوريون في الانتخابات المحلية التركية؟

كسابقتها على مدى السنوات الأخيرة، وجد السوريون أنفسهم في قلب الانتخابات البلدية التركية الأخيرة، ليس فقط من باب التخوفات المبالغ بها كالعادة، ولكن كذلك بسبب إقحامهم من قبل المعارضة كمادة جدل انتخابي بشكل أكثر بروزاً هذه المرة.

مناكفة للعدالة والتنمية

من باب مناكفة العدالة والتنمية والاختلاف معه في الموقف من الأزمة السورية، لطالما تعرضت المعارضة للوجود السوري على الأراضي التركية بالرفض، لدرجة أن رئيس حزب الشعب الجمهوري قدم “إعادة السوريين لسوريا” كأحد وعود حزبه الانتخابية سابقاً، قبل أن يعود ليؤكد على أن ذلك لن يحصل قسراً ولا سريعاً وإنما اختياراً وبعد حل الأزمة السورية.

في الانتخابات البلدية الأخيرة، وصل الأمر مستوى غير مسبوق، حيث بنت مثلاً مرشحة الحزب الجيد ـ القومي المتحالف مع الشعب الجمهوري ـ لمنطقة الفاتح في إسطنبول دعايتها الانتخابية على شعار “لن أسلّم الفاتح للسوريين”. الأهم والأخطر أن العدالة والتنمية استدرج جزئياً لهذه المساحة عبر بعض التغريدات والمواقف لمرشحه في إسطنبول بن علي يلدرم تُحيل إلى عدم التهاون مع السوريين “إن أخطأوا أو تجاوزوا”. هنا، لم يتناغم العدالة والتنمية مع المعارضة في خطابها، لكنه تجاوب معها في جعل السوريين مادة انتخابية إلى جانب المواد الرئيسة، وهو ما يشير إلى مستوى الانزعاج من الوجود السوري في الشارع التركي، في بعض المناطق وبين التجار على وجه الخصوص.

ما الذي ينتظر السوريون في تركيا؟

الآن، وقد ظهرت معظم النتائج الأولية للانتخابات البلدية، والتي يبدو وفقها أن الشعب الجمهوري قد زاد من عدد بلدياته وفاز بأنقرة وربما إسطنبول، ما الذي ينتظر السوريين في تركيا؟

قبل الخوض في التداعيات، ينبغي الإشارة إلى أن الوجود السوري لم يكن عاملاً رئيساً أو محدداً في الانتخابات السابقة، إلا باستثناءات بسيطة مثل خسارة العدالة والتنمية لحي أسنيورد في إسطنبول الذي شهد صدامات بين سكانه الأتراك والسوريين قبل أسابيع من الانتخابات، ولم يكن العامل الوحيد المؤثر في هذه النتيجة بل كان هناك عوامل رئيسة أخرى.

وأما على صعيد انعكاسات الانتخابات على السوريين، فمن المهم التأكيد على أنها كانت انتخابات بلدية وليست رئاسية أو برلمانية، ما يعني أنها لا تأثيرات مباشرة لها على سياسات الدولة بخصوص السوريين أو غيرهم بغض النظر عن نتائجها، فالبلديات ليست مؤسسات تشريعية ولا هيئات تنفيذية حكومية.

أكثر من ذلك، لم يكن ثمة فوز حاسم للمعارضة كما قد يُظن، وإنما حسنت الأخيرة موقعها بعد العدالة والتنمية الذي تقدم الجميع وبفارق واضح. وأخيراً، فإن فوز الشعب الجمهوري في البلديات الكبرى مثل أنقرة وإسطنبول لن يعني تحكمه فيها تماماً ولا تغييره سياساتها جذرياً، إذ يملك العدالة والتنمية وحليفه الحركة القومية أغلبية المجلس البلدي لكليهما، ما يصعّب على الرئيسين إدارتهما دون توافق مع العدالة والتنمية تحديداً.

لكن، هل يعني ذلك أن الانتخابات البلدية لن يكون لها أي تبعات على السوريين المقيمين على الأراضي التركية؟ بلى، ومن عدة وجوه أهمها:

أولاً، على صعيد البلديات قد تقل أو تتراجع بعض المساعدات التي تقدمها بلديات بعينها للسوريين، كما حصل مع رئيس بلدية بولو من الشعب الجمهوري الذي أعلن عن “وقف المساعدات المقدمة للأجانب” كأحد أوائل قراراته بعد الفوز. لكن هذا التأثير محدود في نهاية المطاف، فالمساعدات الرئيسة المقدمة للاجئين السوريين في تركيا لا تأتي من البلديات وإنما من الحكومة وبرامج بعض المؤسسات الدولية مثل الاتحاد الأوروبي.

ثانياً، على الصعيد الحكومي ليس من المتوقع حدوث تغييرات جذرية في الموقف الرسمي التركي من السوريين المقيمين على الأراضي التركية، وإنما الاستمرار بنفس السياسات واتجاهها العام في الفترة الأخيرة. لكن الانطباعات السلبية السائدة قد تعني مزيداً من الضبط والتأطير من الحكومة للوجود السوري على أراضيها، وهو أمر كان قد بدأ قبل الانتخابات ويتوقع له الاستمرار بنفس المنحى ولكن ربما بوتيرة أسرع.ثالثاً، على المدى البعيد فلا شك أن السوريين قد خسروا من مجرد النظر لهم كمادة جدل انتخابي، والتركيز عليهم في الخطاب الانتخابي الأخير، وهو ما يضيف للهالة السلبية التي تحيطهم مؤخراً ويضعهم في خانة “الأمننة” أي افتراض الخطر الأمني منهم. التركيز على السوريين في الحملات الانتخابية انتهى مع يوم الاقتراع ولم يستمر، لكن لا يمكن للأسف ضمان نتائجه السلبية بعيدة المدى والتي قد يكون معظمها على المستوى الشعبي ـ الاجتماعي المباشر وهو أمر صعب الضبط والاحتواء، وقد يكون بعضه على المستوى الرسمي – الحكومي تأثراً بالأول وتجاوباً معه وهو مسار يصعب التنبؤ بدرجته.

يضاف لذلك استشعار الحكومة أن العامل السوري كان سلبياً ـ ولو جزئياً ـ في الانتخابات الأخيرة ورغبتها في عدم ترك هذا الملف عرضة للمزايدات من المعارضة خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية، وبالتالي قطع الطريق عليها من خلال قرارات وسياسات حكومية واضحة ستغذي للأسف المنحى المذكور. وهو أمر سيبقى في المستقبل المنظور على هامش الموقف التركي من السوريين وليس في جوهره، إلا إن فاجأت أنقرة تطوراتٌ متسارعة في الملف السياسي السوري.

بواسطة/سعيد الحاج

اضف تعليق