لماذا تتراجع الليرة التركية رغم المؤشرات الاقتصادية الإيجابية؟

استعرض الكاتب والصحفي المصري مصطفى عبد السلام، رئيس قسم الاقتصاد بصحيفة “العربي الجديد”، تقييمًا حول أسباب تراجع الليرة التركية في الآونة الأخيرة، رغم وجود تحسن في المؤشرات الاقتصادية.

 

ويقول الكاتب، في مقال، إنه عندما تنظر لمؤشرات الاقتصاد التركي الأخيرة تصل إلى نتيجة مفادها تحسن سعر الليرة مقابل الدولار، لكن ما يحدث على الأرض وداخل الأسواق هو العكس تماما.

 

ويشير إلى تراجع العملة التركية لتتجاوز الخميس، مستوى 6.24 مقابل الدولار، وتسجل أضعف سعر لها في ثمانية أشهر، أي منذ 24 سبتمبر 2018 عندما وصل السعر ساعتها على 6.7 ليرة للدولار.

 

ويضيف أنه على مستوى الأرقام والمؤشرات، واصلت تركيا جذب مزيد من التدفقات النقدية الأجنبية خاصة من قطاعي السياحة والصادرات، مع تراجع عجز الميزان التجاري، وهو ما خفف الضغط على حجم النقد الأجنبي المخصص لتمويل الواردات.

 

مثلا ارتفعت عائدات السياحة خلال الربع الأول من العام الجاري 2019، بنسبة 4.6%، مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي 2018. وفي المقابل تراجع حجم إنفاق الأتراك في الخارج، بنسبة 1.1%.

 

وتتدفق الاستثمارات على قطاع العقارات التركي خاصة من قبل الباحثين عن الجنسية، وكذا من قبل الأفراد والمستثمرين الأوروبيين والروس والخليجيين بمن فيهم السعوديين الذين لا يزالون يتدفقون على تركيا رغم الأزمة السياسية التي أعقبت مقتل جمال خاشقجي.

 

كما تقلص عجز التجارة الخارجية لتركيا بنسبة 63.7 % في شهر مارس/ آذار الماضي ليصل إلى 2.137 مليار دولار، وهو تراجع حاد يصب في صالح سوق الصرف الأجنبي والليرة. وانخفضت الواردات 17.8% مقارنة مع مستويات شهر مارس/ آذار 2018، وهو ما يخفف الطلب على العملات خاصة اليورو والدولار.

 

وحافظت الصادرات التركية على حيويتها خلال الربع الأول من 2019، لتبلغ 44.56 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخ البلاد. وهناك بوادر تحسن في الإنتاج الصناعي والزراعي.

 

وارتفع مؤشر الثقة الاقتصادية 3.4 % خلال شهر إبريل/ نيسان مقارنة بشهر مارس/ آذار الماضي. وتراجع معدل التضخم خلال الربع الأول من 2019 من 17.53% إلى 16.30%، كما تراجع المعدل في إبريل من 19.71% إلى 19.50% على أساس سنوي.

 

وعزز صندوق الثروة السيادية في تركيا رأس مال خمسة بنوك مملوكة للدولة بمقدار3.7 مليارات دولار، وهو ما يعزز من قدرتها على الإقراض والتوسع في الأنشطة المصرفية، وبالتالي تقوية النمو الاقتصادي.

 

إذا كان حال الأرقام والمؤشرات الاقتصادية التركية في تحسن، فلماذا تتعرض الليرة لضغوط شديدة تدفعها إلى التراجع المتواصل؟

يرى عبد السلام أن التراجع هنا لا يكمن في أسباب اقتصادية، بل لأسباب سياسية بحتة، فهناك علاقة أنقرة المتوترة مع واشنطن مع تصميم تركيا على استيراد صواريخ إس 400 الروسية، ورفض أنقرة الالتزام بالحظر الأميركي على النفط الإيراني، وتجدد التوتر حول ملف التنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط ودخول واشنطن والاتحاد الأوروبي على الخط، وبقاء ملف خاشقجي مفتوحا، وهو الملف الذي يسعى ترامب لغلقة لصالح السعودية.

 

وهناك ملفات أخرى لم تغلق بعد منها مثلا قضية مصرف “خلق بانك” التركي ورفض الافراج عن مدير المصرف السابق هاكان أتيلا، المعتقل في أميركا، بقضية خرق العقوبات على إيران، وهناك رغبة واشنطن في أن تقطع أنقرة علاقاتها مع كل من روسيا وإيران وغيرها.

 

ومن الأسباب السياسية التي باتت تؤثر على سعر الليرة أيضا ما يتعلق بتداعيات قرار اللجنة العليا للانتخابات إعادة انتخابات رئيس بلدية إسطنبول وما يثيره هذا الأمر من حالة غموض في المشهد السياسي، وتأثر الليرة بالتوترات الجارية في الأسواق على خلفية زيادة حدة الحرب التجارية الأميركية الصينية.

 

ولا نتجاهل حديث تركيا المستمر عن المؤامرات الاقتصادية التي تحاك ضدها ووجود جهات خارجية تتلاعب بالليرة والاقتصاد التركي، وتصريحات أردوغان عما وصفه بالإرهاب الاقتصادي الذي يمارس ضد بلاده، وكلامه عن محاولات تدمير الاقتصاد في أغسطس/آب 2018، والتي تمت عبر ضغوط على أسعار الفائدة، والتلاعب بأسعار صرف العملة والتضخم.

 

لكل هذه الأسباب السياسية وغيرها، فإن الليرة مرشحة للتذبذب خلال الفترة المقبلة، ليس شرطا أن يكون التذبذب تراجعا، بل قد يكون صعودا وهبوطا، وهو ما قد يخلق حالة من القلق للمستثمرين الأجانب، ويزيد من موجات الأموال الساخنة خروجا ودخولا.

.

المصدر: العربي الجديد