تركيا الآن.. عين على تركيا

أهلا بالصواريخ .. وداعاً للطائرات؟

12

تتفاعل يوماً بعد آخر الأزمة بين تركيا وأميركا بسبب وصول الشحنات الأولى من صواريخ إس – 400 الروسية إلى تركيا وتنفيذ واشنطن لتهديداتها بتجميد الشراكة الغربية مع أنقرة في إنتاج وتسويق المقاتلة إف – 35. الذي يقلق تركيا هو احتمال صدور إجراءات أميركية أخرى ضدها مما سيدفعها للرد ويقود إلى توتر العلاقات أكثر فأكثر.

الواضح حتى الآن هو فشل تركيا في إقناع الإدارة الأميركية بطروحات الجمع بين الصواريخ والمقاتلة داخل عنبر واحد، لكن المؤشرات والمواقف الصادرة عن البلدين تلتقي عند تقاطع أن الأزمة معرضة للسير بأكثر من اتجاه بين التهدئة والتصعيد.

فيما كانت الخارجية التركية تقول أن القرار الأميركي الأخير خاطئ وسيؤدي إلى ضرر لا يمكن إصلاحه في العلاقات الاستراتيجية للبلدين، يلوّح البعض في البيت الابيض أن واشنطن لن تتوقف عند هذا الحد وستتحرك باتجاه تنفيذ بنود قانون معاقبة أعداء أميركا المعروف باسم “كاتسا” لأن أعضاء في الحكم والمعارضة تحت سقف الكونغرس يصرون على خطوة من هذا النوع.

أصوات داخل البيت الأبيض تقول سنكتفي بخطوة إخراجكم من إف – 35 لا تصعدوا أكثر من ذلك فهل ستقبل أنقرة بالقرار الأميركي دون رد مناسب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متمسّك بطرح أن تركيا هي أحد أهم شركائها الإقليميين في المنطقة وحلقة مهمة في حلف شمال الأطلسي، ولا يمكن ترك موسكو تستغل الفرصة لكسبها إلى جانبها.

فهل ينجح ترمب حقاً في إقناع الكونغرس بعدم التصعيد أكثر من ذلك مع أنقرة؟ أم أنه سيحاول لعب سياسة النفس الطويل مع الجميع وهو يستعد للانتخابات الرئاسية. فهل يضحي بعلاقة بلاده مع تركيا لكسب أصوات اللوبيات المعارضة لأنقرة؟

أنقرة من صوبها تردد أنها لا تريد هي الأخرى التخلي عن شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن وحلف شمال الأطلسي لكنها تذكر البيت الأبيض أن بدائلها كثيرة وبينها قبول العرض الروسي الجديد بشراء مقاتلة الجيل الرابع سوخوي -35 بانتظار الانتهاء من إنتاج طائرة الجيل الخامس سوخوي -57. فما هي أهم اوراق الطرفين في المواجهة على ضوء رسائل التهديد العلني والمبطن؟

الذي يطغى حتى الآن هو جملة من المواقف والتصرفات المتناقضة أميركياً وتركياً:

ففي حين تواصل واشنطن وأنقرة سياسة ضربة “على الحافر وأخرى على المسمار” حتى “لا يموت الذئب ولا يفنى الغنم”. نرى وكيلة وزير الدفاع الأميركية ألين لورد تلخّص لنا الموقف الأميركي على الشكل التالي: يستحيل الجمع بين الطائرة إف 35 ونظام إس 400 في آن واحد. وتقول إن “الولايات المتحدة وشركاءها في برنامج إف-35، متفقون على تعليق شراكة تركيا في البرنامج وبدء المرحلة الرسمية المتعلقة بإخراجها منه. ومع ذلك هي تردد أن الولايات المتحدة ما تزال تولي قيمة كبيرة للشراكة الاستراتيجية مع تركيا.

هي تقول مثلا إنهم يتوقعون أن تغادر البعثة العسكرية التركية قبل نهاية تموز الجاري لكنها تردد أن واشنطن ستواصل العمل بشكل فعّال مع تركيا بخصوص منظومة باتريوت من أجل تلبية احتياجاتها الدفاعية المشروعة.

هي تشير إلى أن انسحاب تركيا من المشروع سيحرمها من إيرادات تقدر بنحو 9 مليارات دولار، لكنها تعلن أن “الخطوات التي أعلنا عنها بخصوص برنامج إف 35، هي خطوات مستقلة عن قانون كاتسا. لكنها تعود وتشير إلى أنه بين قواتنا المسلحة علاقات قوية، وسنواصل المشاركة مع تركيا في مناورات عسكرية مشتركة في دول مثل جورجيا، وألمانيا وأوكرانيا.

في أنقرة الأجواء المرتبكة لا تختلف كثيرا عما يجري في العاصمة الأميركية. القيادات السياسية والعسكرية التركية تؤكد حرصها على العلاقات مع واشنطن وعلى عضوية تركيا في الحلف، لكنها من جهة أخرى تسير في سياسات تخالف هذه المواقف وهي تعلن أن خياراتها وبدائلها الاستراتيجية جاهزة دائما.

الرئيس التركي أردوغان يقول لواشنطن إن صواريخ إس – 400 باتت ضمانا لسلامة أمننا القومي ومصالحنا الإقليمية. لكن هناك في تركيا من يذهب وراء دعوة واشنطن للتراجع عن قرار إبعادها من مشروع إنتاج المقاتلة إف 35، “هذا الخطأ الذي سيلحق أضرارا بالغة بالعلاقات قد لا يمكن إصلاحه لاحقا”.

وزارة الخارجية التركية تقول “على الولايات المتحدة إظهار الأهمية التي توليها لصداقة تركيا، بالأفعال، وليس بالأقوال فحسب”. لكن رئيس الصناعات الدفاعية التركية إسماعيل دمير، يقول أكثر من ذلك، “يجب أن يفكروا بمدى تأخير تسليم الطائرات مستقبلاً، بسبب العملية المتعلقة بالعثور على منتجين جدد للقطع التي تنتجها الشركات التركية”.

دخول الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ على الخط في محاولة لتبريد الأجواء لم تعلن نتائجها بعد. هو يقول “لنا علاقات قوية استراتيجيا مع تركيا، فهذا أمر لم يتغير. فعلاقتنا كحلفاء بالناتو طويلة الأجل لها مستويات عدة، وهي أكبر بكثير من مشروع أف-35”.

هدف الأطلسي الحالي هو مساعدة البلدين على تجاوز هذه المرحلة ومحاولة تقليل ارتدادات التصعيد في حالة عدم التوصل لحل الخلاف.

مشكلة الأمين العام للحلف هي أنه يسمع وزير الدفاع التركي خلوصي أكار يقول إخراجنا من صفقة إف – 35 سيضعف الجناح الجنوبي للأطلسي. لكنه يسمع من واشنطن أيضا من يقول إن الجناح الجنوبي للأطلسي ينسق مع روسيا عسكريا فكيف سنثق به؟

الأطلسي وقياداته يعرفون جيدا أنه بقدر ما تملك واشنطن من أدوات تأثير على أنقرة سياسيا وعسكريا واقتصاديا فأنقرة قد ترد على التصعيد بلعب أوراق العديد من القواعد العسكرية الاستراتيجية التي تستفيد منها واشنطن مثل “إنجرليك” و”اك ساز” والتخلي عن صفقة أسطول طائرات البوينغ المدنية وتذهب وراء سيناريو زيادة حجم التعاون الاستراتيجي مع موسكو.

الإعلان أن أنقرة ما زالت شريكا استراتيجيا للغرب لا يعني إطلاق أنها ستظل على هذه الحال. الأمور مرتبطة بمسار أكثر من ملف سياسي وأمني في العلاقات التركية الأميركية. أزمة متشعبة معقدة لها أكثر من بعد أمني وعسكري وسياسي. المتعمق في تفاصيلها مفقود والبعيد عنها مولود.

الذهاب إلى التحكيم قد يرد لأنقرة الأموال التي دفعتها مع الفوائد والأضرار المادية التي تعرضت لها لكن وكيلة وزارة الدفاع الأميركية تتحدث عن خسارة تركيا لما يصل إلى 9 مليارات دولار كان من المفترض أن تدخل خزينتها لو بقيت جزءا من مشروع تصنيع وبيع المقاتلة. الخسارة الأكبر لتركيا قد تكون حرمانها من 116 مقاتلة حديثة كانت ستلتحق بأسطولها الجوي.

نتائج اجتماعات اللجنة التركية الأميركية المشتركة لبحث الملف السوري وتحديدا تطورات الأمور في منبج وشرق الفرات قد تساعدنا ربما على معرفة شكل ومسار العلاقات التركية الأميركية في المرحلة المقبلة. للتذكير فقط الرابح الأول من كل هذه النقاشات هو موسكو فهي نجحت في تفجير العلاقات التركية الأميركية بعد توتيرها واستطاعت بيع منتجاتها العسكرية وتمكنت من اختراق عمق شمال الأطلسي عبر البوابة التركية.

بواسطة/د. سمير صالحة
قد يعجبك أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.