تركيا لم تبتعد قيد أنملة عن سياسة الأنصار

إن السياسة الإنسانية التي تقوم عليها تركيا إزاء المهاجرين والتي من خلالها نالت على تقدير العالم بأسره؛ لم تغيرّها ولا يمكن أن تغيّرها بعض المشاهد التي انتشرت مؤخرًا والتي هي بلا شك “غير لائقة ومخالفة”، ولقد أعلن السيد وزير الداخلية سليمان صويلو ذلك.

لقد وضع كل من السيد صويلو ورئيس جمهوريتنا في الأيام الأخيرة موقفًا واضحًا في هذا الخصوص، وذلك حينما قالا “نحن لا يمكن أن نبتعد عن مبدأ الأنصار والمهاجرين سنتميتر ولا حتى ميليمتر واحد في أي وقت كان، ولا يمكن أن نبتعد عن ذلك نحو مفهوم متهوّر”.

وبدورنا نشكر السيد صويلو، الذي أعطى الأمان للذين لجؤوا نحو تركيا بسبب عدم توفر الأمان في وطنهم، حيث طمأنهم بأنهم لن يخضعوا لترحيل قسري من قبل أي أحد.

ولكن ماذا حدث فعلًا خلال الأسبوع الماضي في مدينة إسطنبول؟ لقد ظهرت مشاهد تحت مسمّى عمليات “السكون” جعلت جميع السوريين المهاجرين يعيشون كوابيس وكوابيس.

فجأة ودون سابق إنذار ومن غير أي استعداد لذلك، تم ضبط أشخاص لم يكن بحوزتهم بطاقة الهُوية؛ بعضهم يقيم في إسطنبول منذ سنوات، وربما قد أسس عمله هناك، ومنهم من ينتظره أطفاله وعياله في البيت، وبعضهم تنتظره أمه، تم جمعهم في حافلات ومن ثمّ تم إرسالهم نحو إدلب أو مناطق أخرى.

ولعل ما عكسته تلك المشاهد يذكّرنا إلى آخر درجة بأن سياسة الهجرة التي تعتبر من أفضل الحكايات التي تعرضها تركيا للعالم؛ لا تزال قوية كما أنها لا تستند إلى بنية تحتية قانونية. إن هذا في الواقع يعتبر وضعًا خطيرًا بشدّة، وإنه مهما كان مستندًا على فلسفة عميقة وحسّ إنساني كبير؛ فإن سياستنا تجاه الهجرة نراها تتغير وبسهولة تحت تأثير ظروف السياسة اليومية المُعاشة، ولقد ظهر جليًّا أن هذه الفلسفة لا يمكنها أن تحمي حقوق الإنسان الأساسية على النطاق المطلوب.

وحمدًا لله بأن ما حدث من وضع خطير مؤخرًا قد علم به السيد الوزير، ولقد تحرك منطلقًا من ضميره العادل وقام بما يلزم. ولو لم يحدث ذلك لكانت تركيا قد خطّت بيديها ما سيجعلها تشعر بالخجل على مرّ التاريخ.

إننا الآن نملك فرصة من أجل التفكير بعد أن وضعنا ضمائرنا في أيدينا. إن ما حازت عليه تركيا من تقدير عالمي عبر سياستها الإنسانية، يتحتم عليها في الوقت ذاته تقديم معيار أكثر مؤسساتية ليكون نموذجًا تصدّره للعالم، وعلى هذا المعيار أن يكون تحت بنية قانونية. في منطلق السياسة الإنسانية، أولًا بعد إظهار تضحية تفوق مستوى جميع الحقوق في العالم، لا يمكن اليوم أن يكون هناك تناقض مع أدنى حقوق الهجرة العادية في العالم وذلك بسبب تأثير الظروف السياسية.

الآخرون ليفعلوا ما يفعلوا، ولأي درجة لا يلتفتون لتلك المعايير ليس مهمًّا، في النهاية هناك حقوق وفّرتها حقوق الهجرة العالمية للمهاجرين. إن تركيا منذ البداية نظرت إلى الذين فرّوا من المجازر في سوريا على أنهم ضيوف إلى جانب كونهم لاجئين، وفي الحقيقة لقد وفّرت لهم من الإمكانيات والدعم المعنوي ما يفوق الحقوق التي يتم توفيرها لوصف لاجئ. ولقد رأى السوريون المستضعفون من الدفء وكرم الضيافة ضمن تلك الروح المعنوية، ما لا يمكن لاجئ أن يعيشه ضمن تجربة لجوئه. لقد كان ذلك بمثابة تعويض جزئي وإن لم يكن كليًّا، إزاء من فقد عزيزًا عليه، ومن فقد قريبًا له ليس من الممكن نسيانه، أو إزاء من تهدّم بيته ومسكنه.

إن اللاجئين السوريين لا يمكن أن يحصلوا على صفة لاجئ أو على حقوق اللاجئين التي ضمنتها الحقوق الدولية، وذلك يعود إلى أن اتفاقية الهجرة الدولية التي تركيا طرف فيها تنص على عدم قبول تركيا “لاجئين” من دول الشرق. ولذلك وضعت تركيا اللاجئين السوريين تحت بند “الحماية المؤقتة” ضمن إطار قوانينها المحدّدة، ولكن مع ذلك ينبغي محاولة تطبيق ذلك في استمرارية لا تحيد عن الاتساق بأي شكل من الأشكال.

إن مفهوم “الأنصار والمهاجرين” شعور ذو قيمة للغاية، ولكن بكل الأحوال ينبغي أن يستند هذا المفهوم إلى قانون يعمل على حماية الإنسان.

علينا أن نقيم هذا النظام، وأن نتذكر بالطبع أن تركيا تقوم وفق نظام دولة، وأن الهجرة لا يمكن أن تكون عشوائية. وفي هذا السياق لا يمكن أن نمضي دون المرور على ما قاله السيد صويلو “علينا في هذا الصدد أن نضع هذا النظام، ونحن مع طرح هذا النظام ضمن روح المهاجرين والأنصار فإنه سيكون بصالح إخوتنا (السوريين) أيضًا. وإن لم نقم بتطبيق ذلك فسوف نواجه وضعًا لا يمكن ضبطه”.

بلا شك إن هذا صحيح، ولكن في الوقت نفسه علينا أن لا ننسى أن هناك وضعًا اجتماعيًّا آخر قد تشكل إثر إهمال تطبيق هذا النظام على مدار بضع سنوات، ويُشترَط أن لا ننسى أن التدخل بشكل سريع دون حساب يمكن أن يؤدي إلى نزيف لا يمكن إيقافه.

إن النظر إلى هذه المشكلة ومن ثمّ إعطاء مهلة 30 يومًا، يبدو الآن تصرفًا سليمًا وعاقلًا.

ولكن إعطاء مهلة 30 يومًا لتصحيح الأوضاع يجب أن لا يكون موجهًا للسوريين فقط، بل يجب على المؤسسات المعنية أيضًا أن تعيه وتقف عنده.

1. ماذا يجب أن يتم فعله حتى لا تتكرر تلك المشاهد التي حدثت.

2. إلى أي درجة يبدو صحيحًا اعتبار مدينة إدلب السورية وكأنها باتت مرتعًا للأمان حتى يتم الترحيل نحوها؟ إنها لا تزال تشهد يوميًّا قصف قوات الأسد الظالمة، وعمليات الخطف والتهديد من قبل بعض الجماعات الإرهابية.

3. أيضًا هناك بالطبع حاجة لمزيد من التقييمات الاجتماعية العلمية حول مساوئ إرسال أصحاب قيود النفوس العائدة لولايات غير إسطنبول. ماذا تعني إرسال أشخاص أقاموا أعمالهم في إسطنبول، ويعملون فيها ويكسبون قوتهم منها ضمن الأُطر القانونية، ماذا يعني إخراجهم من إسطنبول وإحضارهم نحو مدن الأناضول الأخرى؟ لنتناقشْ في هذا الأمر.

“الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل”

ومن جانب آخر، خرجت قناة “العربية” وقنوات عربية أخرى غنية عن الذكر لتقول أن “سياسة الهجرة لدى تركيا قد أفلست”، وكأن تلك القنوات وجدت ما تلهو به. هم أنفسهم الذين لم يقبلوا ولا حتى بلاجئ واحد من السوريين، يريدون أن يخرجوا علينا ليقولوا قد أفلست سياسة الهجرة لدى تركيا. إنهم حقًّا كما صوّرهم كتابنا الكريم “الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل”. حيث إن إنفاقك يعرّي بخلهم وشحّهم وتقصيرهم وعيوبهم.

لقد اختلقوا علي كلامًا ونسبوه لي وهو يناسب في الأصل عقليتهم، وذلك خلال كلمة لي في إحدى فعاليات الجاليات العربية هنا في تركيا، ولم يتورّعوا عن لصقه بي بشكل رخيص، ومن ثمّ عرضوه قائلين “ياسين أقطاي انقلب على نفسه”.

لقد قلتُ “إنّ هناك بعض الجهلة في تركيا تحت عقلية تزعم قائلة: لقد سرق السوريون أمكنتنا في العمل”، يمكنكم من خلال هذا تصوّر كيف قاموا باقتباس كلماتي. نسبوا إلي شيئًا عبر اقتباس جزء من الجملة، وبعدها طاروا فرحًا ممّا عرضوه من تشوهاتهم.

إن تركيا كلما طبّقت ما صرّح به رئيس جمهوريتنا والسيد وزير الداخلية بشكل واضح من حيث: “أنّنا لن نبتعد سنتيمتر ولا ميليمتر واحد عن مبدأ الأنصار والمهاجرين”؛ سيستمر العالم بأسره يضرب بوجوهكم إثر العار الذي لحقكم بسبب أنكم لم تقدَموا شيئًا.

 بواسطة/ ياسين أقطاي
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.