تركيا الآن.. عين على تركيا

هل أم عبد الفتاح السيسي فعلا يهودية؟!

1٬833
بعث لي إعلامي مصري بصور قال إنها لسيدات من أقارب السيسي وألحقها بصور لسيدات يهوديات متدينات. والمقصود من ذلك هو أن قريبات السيسي يهوديات؛ بسبب تشابه الزي بين من يظهرن في الصورتين. تبين لي أن ذلك يأتي في سياق فكرة راجت مؤخرا في أوساط المصريين، مفادها أن والدة عبد الفتاح السيسي يهودية، وبذلك يكون هو يهوديا، وأنه عنصر تمكن أعداء مصر من زرعه في المنظومة الحاكمة في مصر ليدمرها من داخلها.

أعربت لصديقي الإعلامي عن استهجاني للفكرة، وأن كثيرا من عشاق نظرية المؤامرة في العالم العربي ينسبون كل من يكرهونه من الحكام الطغاة إلى اليهودية، فقال لي: “وماذا عن إيلي كوهين، عميل الموساد الذي وصل إلى أرقى المستويات داخل منظومة الحكم في سوريا.” نعم، إيلي كوهين ثبت بالأدلة القاطعة، وبالوثائق السورية والإسرائيلية، أنه كان جاسوسا. ولكن من أين جاءت نظرية أن السيسي يهودي مزروع؟

طلبت من صديقي دليلا يثبت هذه المزاعم، فقال إن صحيفة هآريتز نفسها كتبت عن ذلك. معقول؟؟؟ لا، غير ممكن، قلت له. فأرسل لي رابطا لمقال ينقل صاحبه عن صحيفة هآريتز شيئا من ذلك، ولحسن الحظ أرفق بمقاله رابطا للموضوع الذي نشرته الصحيفة الإسرائيلية.

ماذا قالت هآريتز؟
https://www.haaretz.com/middle-east-news/egypt/.premium-sissi-s-jewish-mom-rare-egypt-protests-chip-at-leader-s-iron-hold-on-power-1.7914712

فتحت الرابط، فإذا هو تقرير تحليلي طويل حول الحراك الأخير في مصر. وبعد أن يشرح كاتب التقرير كيف أن السلطات في مصر تستخدم البرلمان لسن قوانين تخون من يعارض النظام، أشار إلى أنه يوجد في المقابل في أوساط المعارضة من السلوك ما لا يقل غرابة عن سلوك النظام. ومضى كاتب التقرير يقول: “في الأسبوع الماضي، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وثيقتان يُدعى أنهما أصليتان، كلاهما تنصان على أن والدة السيسي يهودية مغربية اسمها مليكة تيتاني. وبحسب ما يقوله مطبخ الإشاعات في السوشال ميديا، فإن ذلك يفسر سبب علاقاته الوثيقة بإسرائيل.”

ثم يذكر كاتب التقرير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز كان ذات مرة قد اتهم من قبل مطبخ إشاعات التيار اليميني في إسرائيل بأن أمه عربية – وأن بيريز لابد أنه يبتسم الآن في قبره، حيث أنه لم يعد الزعيم الوحيد الذي تسبب له أمه إحراجا لكونها من قوم معادين لبلده.

ويختتم كاتب المقال الحديث عن هذه الإشاعة بالقول: “ما يثير الاهتمام هو أن الحكومة المغربية كذبت بشكل رسمي تلك المزاعم ونفت أن تكون الوثائق أصلية. ولكن لم يعد ذلك يهم لأن الإشاعات باتت حقائق.”

طبعا لم يقصد كاتب المقال سوى السخرية بمن يعتقدون بصحة هذه الإشاعة ويتناقلونها ويبثونها، ولم يقصد القول إنها تحولت بالفعل إلى حقائق، كما استنتج، بكل سذاجة، المصري صاحب المقال المستند على تحريف ما ورد في صحيفة هآريتز.

وهنا تكمن المأساة

أذكر عندما كنت طالبا في الثانوية في الكويت في سبعينيات القرن الماضي أن مجلة أسبوعية كانت تصدر هناك نشرت تقريرا زعم كاتبه أن جمال عبدالناصر كان يهوديا، وأن ذلك كان في اعتقاد المؤلف – أو المجلة –التفسير الحاسم لما كان يقترفه عبد الناصر ضد الشعب المصري ولما أورثهم إياه من هزائم. ثم فيما بعد سمعت أناسا ينسبون إلى اليهودية كل حاكم من حكام الدول العربية أشكل عليهم فهم سلوكه، وخاصة منهم أولئك الذين يبطشون بالشعوب ويقمعونها ويرتكبون الجرائم بحقها. بل بلغ الأمر ببعض الناس أن نسبوا محمود عباس إلى البهائية، لتفسير حماسته الفائقة للصلح مع الكيان الصهيوني. وقد أثبت في أكثر من سلسلة من حلقات برنامج مراجعات الذي أديره في قناة الحوار أن هذا الكلام عار عن الصحة تماما بشهادة أفاضل استضفتهم يعرفون محمود عباس جيدا ويعرفون أهله وأصله وفصله.

تكمن المأساة في مثل هذا التفكير في أن أصحابه يدعون أنهم يفسرون ما يجري من أحداث بينما هم أبعد ما يكونون عن التفسير الصائب لها. يريد أصحاب التفسير التآمري إقناعنا أن المرء لا يشذ سلوكيا ولا يرتكب الجرائم البشعة ولا ينحرف عن جادة الصواب إلا إذا كان من قوم آخرين، سواء من حيث العرق أو من حيث المعتقد. وهذا منهج في التفكير ابتلي به كثير من المسلمين رغم أنك لا تجد له أصلا لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية الصحيحة، بل على العكس تماما، فقد حدثنا القرآن عن أهل الكتاب أن فيهم من هو صالح صادق أمين وفيهم غير ذلك، فقال “ليسوا سواء”. هذا في الوقت الذي يتحدث فيها القرآن، وورد ذكر ذلك أيضا في السنن وفي السيرة، عن مسلمين انحرفوا، وضعفوا، وانهزموا، وضلوا السبيل، وعن عرب كان منهم المؤمنون وكان منهم المنافقون، وكان منهم من ثبت وظل على العهد، وكان منهم من ارتد ونكص على عقبيه وعاد ودخل في الكفر بعد الإيمان.

والآفة الأخرى في مثل هذا التفكير أنه عنصري، يحرض على “الآخر” المختلف دونما تمييز بين محسن ومسيء وبين صالح وطالح. وينجم عن ذلك ظلم كبير للناس لا يقبل به رب الناس. ومثل هذه النزعة العنصرية تجدها عند فئات من الناس في كل الأمم والشعوب، وهي نزعة بالغة الخطورة، كثيرا ما تسبب الحروب المدمرة والويلات المهلكة، حذرنا القرآن منها “ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى.”

في زمننا هذا نجد الناس ينقسمون تجاه القضايا الإنسانية العادلة بين مناصر لها مناضل في سبيلها وبين من يناصبها العداء ويعمل ضدها. وتجد في المعسكر الأول أطيافا من البشر من كل الأعراق والأديان وتجد نفس التشكيلة في المعسكر الثاني.

قبل أيام قابلت على هامش مؤتمر حزب العمال في مدينة برايتون سيدة عرفت نفسها بأنها ناشطة في الدفاع عن الفلسطينيين، وقالت إنه تم تجميد عضويتها في حزب العمال لأنها طالبت بالتصدي للتيار الصهيوني داخل الحزب. علمت بعد حوار معها أنها يهودية بريطانية، وأنها تكره الصهيونية بل تعاديها، وترى أن الصهاينة هم العدو الحقيقي لليهود. أولا نظلم اليهود حينما ننسب السيسي لهم؟

صهاينة العرب والمسلمين

والخلاصة هي أنه يوجد من أبناء أمتنا وبناتها – ممن ولدوا عربا ومسلمين –من باتوا أشد عداوة لأمتهم من صهاينة اليهود. حق لنا أن نطلق على هؤلاء لقب “صهاينة العرب والمسلمين”، وإن صاموا وإن صلوا، بما يقدمونه من خدمات للمشروع الصهيوني تمكنه من البقاء ثم التمدد والتوسع.

هؤلاء الذين يعتبرون المقاومة ضد الاحتلال إرهابا، وهؤلاء الذين يحاصرون أهل غزة، وهؤلاء الذين ينسقون أمنيا مع الصهاينة الغزاة الذين يحتلون فلسطين، وهؤلاء الذين يعتقلون من يجمع التبرعات للمحتاجين في فلسطين بحجة محاربة الإرهاب، وهؤلاء الذين يتآمرون مع ترامب ونتنياهو لتطبيق ما يسمى بصفقة القرن التي يراد منها التطبيع مع الكيان الصهيوني وإنهاء الصراع معه والتنازل له نهائيا عما يحتل، هل كانت أمهاتهم أو أمهات آبائهم يهوديات حتى يتصرفوا بهذا الشكل؟

ما من شك في أن السيسي ومن على شاكلته عدو للأمة، بعربها وعجمها، وما من شك في أنه مجرم قتل الأبرياء وسجن الآلاف من الأخيار، وشرد الآلاف منهم في الأرض، ولكنه يتصرف كذلك ليس بسبب انتسابه إلى عرق أو ديانة، وإنما لأنه دكتاتور، ولأنه إنسان منحرف يمارس الإجرام. وهكذا ينبغي أن يتم الحديث عنه، وهكذا ينبغي أن يفسر سلوكه. أما الادعاء بأنه سيئ لأن أمه يهودية، فإن هذا لعمرك سفاهة وإساءة وحماقة.

هل أم عبد الفتاح السيسي فعلا يهودية؟بواسطة / عزام التـميمي
قد يعجبك أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.