تركيا الآن.. عين على تركيا

تركيا والناتو وحقوق التحالف

996

انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو” في 18 شباط/ فبراير 1952، بعد أن شاركت في الحرب الكورية إلى جانب التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لنصرة الكوريين الجنوبيين. ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات بين الناتو وأنقرة محطات عديدة خيب فيها الحلف آمال الأخيرة.

أول صدمة تلقتها تركيا من الناتو كانت عام 1964، حين لاح في الأفق آنذاك احتمال تدخل عسكري تركي في جزيرة قبرص لحماية القبارصة الأتراك، وبعث الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، رسالة إلى رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو، لمنع التدخل التركي، قال فيها إن أي تدخل عسكري تركي في الجزيرة قد يدفع الاتحاد السوفييتي إلى شن حرب ضد تركيا، مؤكدا أن في تلك الحالة لن يقوم حلف شمال الأطلسي بحماية تركيا. ولما كان التدخل العسكري لا بد منه لإنقاذ القبارصة الأتراك من المجازر، قام الجيش التركي عام 1974 بعملية السلام في الجزيرة، وفرض الكونغرس الأمريكي حظرا على توريد الأسلحة إلى تركيا.

لم تكن تلك آخر مرة يخذل فيها الناتو أحد أعضائه، بل استمر الخذلان في حرب تركيا ضد الإرهاب. ودعم كثير من أعضاء الحلف حزب العمال الكردستاني، بشكل أو بآخر. ولما طلبت تركيا من الناتو في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012 نشر صواريخ باتريوت في أراضيها لحمايتها حتى تنتهي الأزمة في سوريا. أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا وألمانيا وإسبانيا بطاريات باتريوت إلى تركيا، إلا أن جميع تلك الدول، باستثناء إسبانيا، سحبت صواريخها من تركيا قبل أن تنتهي الأزمة السورية، وتركت تركيا مكشوفة أمام الصواريخ التي يمكن إطلاقها من الأراضي السورية.

 

ما تراه تركيا يختلف تماما عما يراه الرئيس الفرنسي؛ لأن القادة الأتراك حين ينظرون إلى فرنسا يرون أنها تدعم من يقاتلون ضد تركيا، ويهددون أمنها القومي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يدَّعي بأن الناتو في حالة موت دماغي، يهاجم تركيا، ويتهمها بالعمل أحيانا في عملياتها بشمالي سوريا مع مقاتلين على صلة مع تنظيم داعش، ويقول إنه عندما ينظر إلى تركيا يرى أنها تقاتل الآن ضد من قاتلوا معهم، في إشارة إلى وحدات حماية الشعب الكردي.

قد يبدو المشهد هكذا حين ينظر ماكرون إلى المنطقة من باريس، إلا أن ما تراه تركيا يختلف تماما عما يراه الرئيس الفرنسي؛ لأن القادة الأتراك حين ينظرون إلى فرنسا يرون أنها تدعم من يقاتلون ضد تركيا، ويهددون أمنها القومي. كما أن المنظمة الإرهابية التي تتحالف معها فرنسا في سوريا هي التي تعمل مع تنظيم داعش الإرهابي وتتعاون معه ضد تركيا. وعلى الرئيس الفرنسي أن يجيب أولا لماذا اختارت بلادها التحالف مع منظمة إرهابية تقاتل ضد تركيا؟ وهل على تركيا أن تتخلى عن مكافحة تلك المنظمة الإرهبية التي تهدد أمنها ووحدة ترابها لأن فرنسا متحالفة معها؟

تركيا تطلب من حلف شمال الأطلسي أن يصنف وحدات حماية الشعب الكردي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، تنظيما إرهابيا، كما تطلب من حلفائها في الناتو أن يراعوا حقوق التحالف، ويكفوا عن دعم حزب العمال الكردستاني في سوريا. وهذا طلب مشروع وعادل ولا غبار عليه؛ لأن الدول الأعضاء في الناتو تعد حزب العمال الكردستاني ضمن التنظيمات الإرهابية. ومن المعلوم أن الفرع يتبع الأصل وجزء منه، وبالتالي يجب أن تصنف وحدات حماية الشعب الكردي تنظيما إرهابيا ما دام حزب العمال الكردستاني يصنف تنظيما إرهابيا.

 

أنقرة لا تحاول أن تفرض تعريفها للإرهاب على الدول الأعضاء في الناتو، كما يقول ماكرون، بل تطلب من تلك الدول أن لا تناقض نفسها ولا تدَّعي بأن ذات المنظمة مرة إرهابية وأخرى ليست إرهابية

أنقرة لا تحاول أن تفرض تعريفها للإرهاب على الدول الأعضاء في الناتو، كما يقول ماكرون، بل تطلب من تلك الدول أن لا تناقض نفسها ولا تدَّعي بأن ذات المنظمة مرة إرهابية وأخرى ليست إرهابية، وتقول لها إن القول بأن وحدات حماية الشعب الكردي وحزب العمال الكردستاني منظمتان منفصلتان غير مقبول على الإطلاق؛ لأنه مغاير للحقيقة ومحاولة رخيصة وغير أخلاقية للضحك على تركيا.

الناتو في الذكرى الـــ70 لتأسيسه يشهد خلافات حادة بين أعضائه تهدد مستقبل الحلف. وفي ظل تلك الخلافات، تؤكد تركيا أنها قامت بكافة واجباتها منذ انضمامها إلى الناتو، إلا أن الحلف لم يقف إلى جانب تركيا في القضايا التي كانت بحاجة إلى دعمه، وتشدد على أن هذه المعادلة المعوجة في علاقات الجانبين يجب أن تتغير ليحل محلها التوازن بين الحقوق والواجبات.

تركيا اليوم عازمة على الدفاع عن حقوقها المشروعة بقوة على كافة الأصعدة، وفي جميع المحافل الدولية والتحالفات التي تشارك فيها، مثل حلف شمال الأطلسي، دون الاستسلام للضغوطات والتهديدات والابتزازات. وتعرف أن الناتو بحاجة إليها لحماية أمن أوروبا واستقرارها أكثر من حاجتها هي إلى حماية الحلف التي غابت كلما احتاجت إليها.

.

تركيا والناتو وحقوق التحالفبواسطة/ إسماعيل ياشا

قد يعجبك أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد