تركيا الآن.. عين على تركيا

تركيّان وألمانية ونابليون

982

نشر حساب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي يحمل اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صورة تجمع الرئيس التركي أردوغان ورئيس الوزراء البريطاني جونسون والرئيس الفرنسي ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل الذين التقوا في لندن، وهي صورة عادية بل وضرورية لهذا الرباعي الذي التقى على هامش مراسم إحياء الذكرى السبعين لتأسيس حلف الناتو. غير أن الصورة كتب تحت تعليق مازح يحمل معان كثيرا؛ إذ كتب أسفلها تركيّان، وقصد بهذه الكلمة أردوغان وجونسون الذي ينحدر من أصول تركية، وألمانية ونابليون، وهو التعليق الذي يجعل أنه من المحتمل أن يكون هذا الحساب يدار على يد جهاز سري أكثر من كونه حساب مزيف. وحتى إذا ما تغاضينا عن مثل هذه الاحتمالات، سنجد أنه مما لا شك فيه أن هذا التعليق كان في غاية الدقة.

لا يخفى على أحد أن الناتو يمر بأزمة كبيرة حتى وإن كان قد “مات سريريا” كما قال ماكرون، أو بتعبير أدق فإن مفهوم التهديد الأخضر الذي وضعه الحلف كهدف له منذ انهيار الاتحاد السوفيتي قد انهار تمام في ظل التطورات الأخيرة لا سيما تطور القضاء على داعش. ولهذا فإن الحلف يبحث عن تهديد جديد ليتخذه هدفا له.

وليس هناك أدنى شك في أن وصف زعيمي الدولتين اللذين ظهرا في الصورة بأنهما “تركيان” ليس بسبب أصولهما فحسب، بل وكذلك بسبب مواقفهما هذه الأيام، يعتبر توضيحا في محله. بل إن نشر هذه الصورة بتعليق في غاية الذكاء لم يكن من قبيل الصدفة أبدا.

حسنا، بماذا يمكن أن نفسر وصف نابليون الذي منح لماكرون الذي قال عنه الرئيس أردوغان “عليه أن يفحص قدراته العقلية”، والذي أعتقد أنه بينما أراد أن يخرج فرنسا من النفق المظلم سار بها إلى الهاوية الموجودة في نهاية هذا النفق؟ ولهذا أدعو من يقولون إن هذا الوصف كان من قبيل الصدفة أن يتنحوا جانبا، فليس لدي ما أقوله لهم. كما أدعو أن يواصل قراءة هذا المقال كل من يعتقد أننا أمام تفسير تاريخي لما يحدث. وحتى إن خرج علينا من يستغربون محاولتي لهذه الدرجة لتفسير هذه الصورة واستخراج ما بها من معان، فأقول لهم إن هناك حقيقة مفادها أن من كتب ذلك التعليق إما شخص يعرف التاريخ جيدا أو يشبه ماكرون بنابليون بطريقة غريزية من خلال الآثار التي خلّفها التاريخ في عالمه الداخلي.

والآن تعالوا لنفسر هذا الحدث بشكل أكثر تفصيلا بعيدا عن إلقاء محاضرة في التعليق على الصور.

بالرغم من أنه عندما يقال اسم نابليون يرد إلى الذهن للوهلة الأولى صورة رجل الدولة العظيم والمقاتل الناجح والإمبراطور الحازم، غير أن ذاكرة الغربيين لا تزال تحتفظ بصورة نابليون الذي كان سببا في أحداث أفسدت النظام القائم في أوروبا آنذاك، فهم يعتبرونه سببا في عدة حروب أهلية هددت استقرار أوروبا، بالضبط كما يرون اليوم ماكرون الذي ألصق صفة “الموت السريري” بحلف الناتو الذي يعتبر المظلة الأمنية الوحيدة للغرب اليوم. وإن وصف نابليون الذي ينسب اليوم لماكرون ليس هو ما حُفر خطأ في عقولنا، بل إنه نابليون الذي تتذكره أوروبا بأنه أفسد نظامها. أي أن هذا الوصف لا يعتبر مدحا لماكرون، بل إنه إهانة ثقيلة بحقه.

وبطبيعة الحال يجب تناول هذا الموضوع في سياق العلاقات التركية-الفرنسية على مر التاريخ. فعندما ننظر إلى التسلسل الزمني لهذه العلاقات، نرى أن كل المؤرخين الفرنسيين يعترفون بأن السلطان العثماني سليمان القانوني كان له الفضل في إنقاذ مملكة فرنسا التي كانت على وشك الاندثار في أوروبا، وهو ما تثبته وثائق الطرفين. وقد وصلت العلاقة بين الطرفين لمستوى أنها كانت ترسم ملامح العلاقات العثمانية-الأوروبية، وكذلك أصبحت يعبَّر عنها بوصف “الصداقة القديمة” الذي أصبح وصفا طبيعيا بين الدولتين. لكن الجميع يعلم أن علاقة هذا الوصف بالواقع فسدت للمرة الأولى عندما حاول نابليون احتلال مصر التي كانت آنذاك ولاية عثمانية، ناهيكم أصلا عن الأساطير التي دارت حول هذا الوصف. ويمكن أن نقول، في ضوء الوثائق التاريخية وما أيقظته تلك الصورة داخلي، إن نابليون وجه عام 1798 ضربة موجعة للصداقة التركية-الفرنسية التي استمرت لقرون.

إن ما يمثله ماكرون من خلال آخر صورة ظهر بها ليس الإمبراطور نابليون رجل الدولة البطل، بل إنه يمثل نابليون صاحب تلك الضربة التي غيرت مجرى التاريخ وكان لها دور سلبي في مستقبل الدولة العثمانية. ولهذا فإنه، أي ماكرون، متوتر وعدائي ويلعب أدوار البطل المزيف. والآن فإنه بحاجة إلى سباستيان الذي سيصحح أخطاءه أولا، كما فعل نابليون، لكنه لن يكون كافيا لإنقاذ الوضع.

من يعرفون التاريخ جيدا سيتذكرون الأحداث التي أدت لخروج الفرنسيين من المشهد السياسي في الدولة العثمانية ودخول الإنجليز مكانهم. ولا شك أن التاريخ لن يعيد نفسه، لكن هناك حقيقة مفادها أن الأخطاء التي يقعون بها لا بد وأن تفضي إلى نتائج مماثلة.

فهل يا ترى سيتحول التعليق الذي تحدث عن “شخصين تركيّين” إلى تطور كهذا؟

.

زكريا كارسون بواسطة / زكريا كارسون

قد يعجبك أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد