تركيا الآن.. عين على تركيا

فتوى مسلسل    

2٬821

خلال الأيام الفائتة اعلنت دار الإفتاء المصرية عن ضرورة عدم مشاهدة المسلسلات التاريخية. خلال الإعلان هذا، أكدت أن المسلسلات التركية تسعى نحو سيطرة إقليمية، محذرة الرأي العام العربي من خدمة هذا الغرض. نصّ الفتوى الذي كان أشبه ما يكون ببيان سياسي بحت، زعم أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحاول إعادة إحياء الإمبراطورية العثمانية، وأنه يستخدم المسلسلات من أجل هذا الغرض. الفتوى التي لم تتضمن أي إشارة إلى نص ديني، وزعت اتهاماتها للمسلسلات التركية، على أنها تنشر العنف والقتل، وتنتقد الفقه الإسلامي، وتضليل الناس حول الحقائق التاريخية.

كانت هذه التي تُسمّى بـ الفتوى، آخر مثال من سلسلة الإجراءات التي تتخذها الدائرة الدينية بمصر، والتي تخضع لسيطرة النظام وقيادة العسكر بشكل كامل.

بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي وإعلان عداءهم الصريح ضد تركيا، كانت أول مرة يتم التصريح فيها بمقاطعة المسلسلات التركية، من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث دعا إلى عدم مشاهدة الدراما التركية. وبعد ذلك وخلال العام ٢٠١٨ قامت أكبر قناة تلفزيونية في العالم العربي والممولة من قبل السعودية “إم.بي.سي”، بتطبيق ذلك فعليًّا، حيث قامت أولًا بقطع بث المسلسلات التركية، ومن ثم عرضت مسلسل “ممالك النار”، الذي حاول تشويه تاريخ الإمبراطورية العثمانية. هذا المسلسل الذي تم تصويره في تونس، وتم عرضه ما بين ١٧ تشرين الأول و٩ ديسمبر ٢٠١٩، يتناول فتح العثمانيين لمصر في عهد السلطان ياوز سليم، ويعرض ذلك من خلال تصويه الدولة العثمانية على أنها دولة احتلال وظلم ووحشية. وبالطبع لم يكن تمويل دولة الإمارات لهذا المسلسل بالأمر المفاجئ.

لقد تحدثت سابقًا في مقال بتاريخ ٢٨ أغسطس/آب ٢٠١٩، عن الحملات الرسمية ضد التأثير التركي في العالم العربي، وذكرت أن السعودية قامت بتعديل مناهجها الدراسية ضمن خطة إعادة تصحيح المناهج، وقامت بوصف الدولة العثمانية على أنها “قوة احتلال”.

على الرغم من كل بيانات المقاطعة والحظر الرسمية وعلى على الرغم من الفتاوى المزعومة، فإن المسلسلات التركية لا تزال حتى اليوم تحتل مكانة هامة في العالم العربي، وتحظى بمتابعة جماهير كثيفة من العرب بشكل غير معقول. وبفضل الإنترنت وما يتيحيه من إمكانيات، فمن المستحيل أن يتم حجبها بشكل نهائي. لو ذهبت الـ “إم بي سي” فهناك اليويتوب.

إذن دعونا نسأل، ماذا يجد العرب في المسلسلات التركية كي يتابعوها بهذا الشكل؟ في الحقيقة إن الإجابة عن ذلك بجواب واحد يبدو صعبًا للغاية. لأننا أمام مسلسلات متعددة ومحتويات متعددة كلها تلتقي مع جماهير متعددة. لكن من خلال نظرة عامة لهذا المشهد، يمكن سرد هذه الأسباب التي تكمن وراء هذا الرواج الذي تحظى به المسلسلات التركية:

قبل كل شيء، تصوير هذه المسلسلات وعرضها، يتمتعان بجودة عالية للغاية، لا تضاهيها أي أعمال درامية في العالم العربي. إضافة إلى جمال الأماكن التاريخية والطبيعية التي يتم التصوير فيها، وبالطبع الجذب الذي يحظى به الممثلون من قبل الجماهير، من الناحية الاستعراضية.

حتى أن ذلك يتم استخدامه في العروض السياحية المقدمة للسياح الأجانب إلى تركيا لا سميا إلى إسطنبول، مثلًا “رحلة إلى القصر الذي تم فيه تصوير المسلسل الفلاني الشهير”، أو “القرية التي شاهدتموها في ذاك المسلسل”، أو “المكان الذي عاش فيه الممثل الفلاني”، وما شابه من ذلك. ولقد كانت شخصيًّا شاهدًا على ذلك، حيث يتوجه الكثير من العرب قبل أي شيء حتى قبل زيارة قصر توب كابي، وآيا صوفيا، ومسجد السلطان أحمد؛ يتوجهون إلى القصور التي تقع على مضيق البوسفور، والتي تم تحويلها إلى أماكن مخصصة لتصوير المسلسلات.

هناك عنصران آخران أيضًا في زيادة الرغبة بالمسلسلات التركية، وهما الحماس والأسطورة. إن انعكاس صورتنا المسلمة والغربية على شاشات التلفزيون، يجذب اهتمام العرب ويزيد رغبتهم.

هناك نقطة هامة في سر هذا التدفق نحو تركيا؛ هي إسطنبول في عيون العرب، كمدينة تحمل ثوابها وخطاياها، ومدينة يمكن مطالعتها بحرية.

إن الخطوات التي تصرفها الدول والحكومات العربية، في سبيل توجيه شعوبها، ستبقى محدودة اليوم. هم يدركون أنهم لا يستطيعون تحقيق التأثير الذي يريدونه. لكن على البعد الطويل، يمكن أن نخشى من أن سياسات اليوم المدمّرة والمفرّقة، سيتحمل آثار مستقبلية من شأنها إضعاف الأخوة في العالم الإسلامي بشكل خطير.

يا ترى كيف سينظر أطفال العرب الذين يتم تغذيتهم وتنشئتهم اليوم على الدعاية السوادية من قبل حكومات بلادهم؛ كيف سينظرون بعد عشرات السنين إلى تاريخنا المشترك والإمبراطورية العثمانية؟ وجواب هذا السؤال مع الأسف يشير إلى مخاطر كبيرة.

ما الذي يجب أن نفعله؟ الشيء الذي يجب أن نفعله بسيط للغاية؛ هو الإنتاج الدائم في كافة الأصعدة دون توقف، وجلب ما تخشاه الحكومات الديكتاتورية. أن يكون هذا الأمر جديرًا بمخاوفهم إن جاز التعبير.

.

طه كلينتش بواسطة / طه كلينتش

قد يعجبك أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد