تركيا الآن.. عين على تركيا

موسكو في ليبيا: فوائد المختبر السوري

678

تردد الأنباء الواردة من موسكو أن القيادة الروسية منزعجة من سلوك الأسد في دمشق الذي يسيء إلى صورتها في سوريا. نظام يقود دولة 80 بالمئة من سكانها تحت خط الفقر وثلثا شعبها بين نازح ولاجىء ورأس النظام يهدي زوجته لوحة زيتية بقيمة 26 مليون يورو! هي تريد الاستفادة من الدروس السورية لتطبيقها في سياستها الليبية.

تقول المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن الوضع في ليبيا آخذ في التدهور، وأن وقف إطلاق النار يتهاوى والمساعدة الخارجية لأطراف الصراع غيرت موازين القوى على الأرض، وأن بلادها على اتصال مع جميع أطراف الصراع وستصرعلى دعم الحل هناك بالوسائل الدبلوماسية. هكذا تلخص موسكو أبعاد وأهداف سياستها في التعامل مع الملف الليبي. هي لا تقول إن ليبيا بقيت لسنوات تحت سيطرتها وتريد استردادها في بقعة جغرافية بالغة الأهمية منفتحة على شمال أفريقيا وشرق المتوسط وتشكل صلة وصل بين العديد من الفرص والأزمات التي تسهل لها عمليات الاختراق والتوغل. زاخاروفا لا علم لها بوجود مرتزقة “فاغنر” وانتقالها أمام الأعين من الغرب الليبي إلى جنوبه بعد انكشاف أمرها ومحاصرتها في مطار مدينة بني وليد التي كانت تريد الانتقال منها إلى جبهات ترهونة لقلب التوازنات لصالح اللواء حفتر هناك.

هل لروسيا أي دور في عملية استهداف الدورية التركية قبل أيام في إدلب والتسبب في مقتل أحد الضباط الأتراك هناك؟ هل تحاول موسكو ومن خلال اتهام “التركستاني” استغلال هجمات من هذا النوع ضد تركيا لتضييق الخناق على التحرك التركي في ليبيا وتذكير أنقرة بحصتها هناك تحت غطاء تفعيل مطلب حسم مسألة وجود الجماعات المتطرفة والجهادية الذي يتقدم ببطء في شمال سوريا؟

توتر العلاقات التركية الروسية في ليبيا سينعكس حتما على علاقاتهما في سوريا. إرسال منظومة دفاع تركية من صناعة أميركية إلى منطقة إدلب قبل أيام أيضا رسالة قد تكون مشتركة بينهما إلى موسكو التي قررت تعزيز نفوذها السياسي في سوريا وفرض نفسها على كامل الملف من خلال تعيين السفير افيموف “مندوبا ساميا” لها هناك. لا فرق بالنسبة لأنقرة بين من يحاول الاصطفاف إقليميا ضد مصالحها في ليبيا عبر التخطيط لمهاجمة سفنها أمام السواحل الليبية مستخدما المرتزقة بتفاهمات إماراتية مصرية فرنسية وبين محاولة إخفاء هوية مجموعة من المقاتلات الروسية التي تشتريها الإمارات وتهديها إلى حفتر مع تعهد روسي بضمانة استخدامها في حال عجز الطيارين الليبيين الذين يدعمون حفتر عن ذلك.

عواصم غربية كثيرة بدأت تراجع مواقفها وسياساتها في التعامل مع الملف الليبي ومواقفها من حفتر الذي ارتمى في أحضان الروس. بعضها تحرك لإعلان تضامنه مع حكومة الوفاق والإشادة بالتحرك التركي في ليبيا الذي أعاد التوازن إلى الملف وحال دون أزمة إقليمية أكبر في شرق المتوسط وقطع الطريق على محاولة روسيا الهيمنة على الملف الليبي. تقديرات موقف أميركية تقول إن أي تنسيق أميركي روسي في سوريا وليبيا مستبعد في هذه المرحلة وأن تذكير المندوبة الأميركية في مجلس الأمن لموسكو بدورها ومسؤوليتها في قتل الأطفال الأبرياء هناك ليس عن عبث، وأن ما قاله الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة الأميركية الأفريقية “روسيا تحاول قلب الموازين لصالحها في ليبيا مثلما رأيتها تفعل في سوريا”، وأعلنه قائد القوات الجوية الأميركية في القوات الجوية الأوروبية الجنرال جيف هاريجيان “إذا استولت روسيا على قاعدة على الساحل الليبي، فإن الخطوة المنطقية التالية هي نشر قدرات دائمة بعيدة المدى لمنع الوصول إلى أفريقيا” هو الملزم أميركيا اليوم.

واشنطن يهمها حتما توريط موسكو أكثر فأكثر في مستنقع ملفات المنطقة الساخنة. لكن هناك العديد من التحليلات التي ترى أن روسيا لن تتراجع بسهولة وأن تكون مسرحية سحب المرتزقة من محيط طرابلس مقدمة لإخلاء الساحة إفساحاً في المجال أمام الدول الداعمة لحفتر لشن حملة قصف جوي واسع على مناطق سيطرة قوات الوفاق.

موسكو تتطلع لكسب ليبيا في دائرة نفوذها الإقليمي في شمال أفريقيا وشرق المتوسط بسبب خطط الطاقة والتجارة والتمدد الاستراتيجي في مواجهة الأطلسي الذي نجح في اختراق حديقتها الخلفية في القوقاز والبلقان وسواحل البحر الأسود. كسب تركيا إلى جانبها هنا يحمل أهمية بالغة. وموسكو تراهن على دور مركزي في ليبيا يختلف عن دورها في سوريا. هي تريد جمع اللاعبين الإقليميين والدوليين من حولها على عكس ما تفعله في سوريا مستغلة التباعد والاصطفافات الإقليمية في ليبيا للعب دور الوسيط أو المسهل بين محاور عديدة تجمع الإمارات ومصر وأخرى تقرب بين تركيا وتونس والجزائر وقطر وتكتل غربي يمنحها هامشا واسعا من التحرك السياسي والدبلوماسي فهل يكون لها ما تريد؟

تركيا استفادت في ليبيا من أخطاء السياسة الروسية في سوريا. وموسكو تريد أن تفعل في ليبيا الشيء نفسه الذي فعلته تركيا في سوريا. لكن الواجب تذكره دائما هو العنصر الأميركي الذي يستطيع قلب كل المعادلات ويثبت ما نجح به في سوريا بتكراره في ليبيا. هناك كذلك مطلب وقوع المواجهة التركية الروسية في ليبيا الذي تريده بعض العواصم مثل القاهرة وأبو ظبي وأثينا وباريس في ليبيا. الهدف قد يكون أبعد من ذلك أيضا والإيقاع بين واشنطن وموسكو لتسهيل هيمنة هذه العواصم على المشهد الليبي. فهل تقع أنقرة في هذه المصيدة؟

هل التنسيق في ليبيا بعد الآن هو تركي روسي أم تركي أميركي خصوصا وأن البعض في واشنطن بدأ يتحدث عن ضرورة تزويد حكومة الوفاق بأنظمة صواريخ باتريوت ردا على إرسال المقاتلات الروسية إلى حفتر؟ أم أن واشنطن وموسكو لم يحسما بعد موقفهما في ليبيا وأن سيناريو التنسيق الأميركي الروسي في شرق الفرات وفي الملف الكردي ولعبة تقاسم النفوذ في سوريا وليبيا على حساب بقية اللاعبين ما زال قائما؟

بقي القليل وتتوضح السياسة الروسية في ليبيا مع من وضد من؟

.

 بواسطة / د. سمير صالحة 
قد يعجبك أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد