تركيا الآن.. عين على تركيا

الازدواجية والتناقض بين نهج فرنسا وقيمها المزعومة  

653

تحدد المادة الثانية من معاهدة الاتحاد الأوروبي مبادئ الاتحاد وأسسه على النحو التالي: “يقوم الاتحاد على قيم احترام كرامة الإنسان والحرية والديمقراطية والمساواة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، بما في ذلك حقوق الأقليات”.

واليوم، نجد أوروبا قد ابتعدت كثيراً عن القيم الأساسية التي حددتها في تأسيس اتحادها بفعل الحركات اليمينية المتطرفة المناهضة للهجرة والتمييز الواسع وتعطيل توزيع الدخل فيها.

والأمر الأكثر إيلاماً هو أن الكتلة الأوروبية العظمى لا يمكن أن تبتعد عن ميلها في نهج سياسة “الإمبريالية الجديدة” و”الاستعمار الجديد” التي بدأت تتصاعد منذ سبعينيات القرن التاسع عشر.

ومن المثير للاهتمام أن تنهج فرنسا السياسة نفسها الآن، وبصفتها الدولة التي نظمت أول عملية جوية ضد القذافي، فهي تتجرأ على تقويض القيم التي أسسها الاتحاد الأوروبي. ويظهر تدخل فرنسا في ليبيا الذي أدى إلى مأساة إنسانية كبيرة وحالة من الفوضى العارمة، تآكلها الأخلاقي الذي كشفه حرصها على حماية مصالحها الخاصة. ويتجلى تناقض فرنسا الكبير بدعمها الانقلابي خليفة حفتر بالرغم من كونه ديكتاتور إرهابي ارتكب جرائم ضد الإنسانية وتسبب بمأساة إنسانية في البلاد.

ومن المؤسف حقاً أن تقوم فرنسا بانتقاد تركيا لتأييدها ودعمها حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة كسلطة شرعية في البلاد بل وتدعوها “لوقف” المأساة الإنسانية في ليبيا. والواقع أن غضب فرنسا من تركيا يأتي من كونها تعرقل تحقيق أهدافها الاستعمارية الجديدة.

وفي 27 يونيو نشرت بلومبورغ مقالاً جاء فيه أن الزعيم السياسي الوحيد الذي بذل جهوداً من أجل ليبيا هو الرئيس رجب طيب أردوغان. كما كشفت المقالة عن الموقف المحرج الذي تسببت به المقابر الجماعية التي اكتشفت بعد انسحاب قوات حفتر لوزير الخارجية الفرنسي الحالي جان إيف لودريان، الذي شغل منصب وزير الدفاع خلال حكومتي إيمانويل ماكرون وفرانسوا هولاند.

كما أن مواقف فرنسا من الحرية والمساواة تضعها اليوم في صورة محرجة أمام المثقفين وقادة الرأي في البلاد. بالإضافة إلى ادعاء ماكرون بأن البحرية التركية دخلت في مواجهة مع السفن الحربية لفرنسا الدولة العضوة في الناتو، ما جعلها تبدو أكثر سخافة.

وأشار مقال بلومبورغ إلى أن الغرض من ادعاءات ماكرون هو إخفاء عيوب فرنسا التي لا تقتصر كراهيتها لتركيا على قضية ليبيا فقط. فتركيا التي تعيد صياغة ميزان القوى في البحر المتوسط قلبت كل مخططات فرنسا رأساً على عقب. وفرنسا لن تكون قادرة على إعطاء الأولوية لقيمها الأساسية ولا لمبادئ الاتحاد الأوروبي وهي ما زالت تحمل رؤية عام 1789. وسيكون من الصعب القيام بأعمال تجارية مع مثل هؤلاء السياسيين.

الصين والمسألة الليبية:

أما عن مواقف الصين الأخيرة فهي لا تتماشى مع دبلوماسيتها الناعمة والحذرة التي اتبعتها على مدى السنوات العشر الماضية، حيث سعت من خلال مبادرة الحزام والطريق إلى أن تكون إحدى مراكز القوة في القرن الحادي والعشرين.

بالنسبة لبكين التي تحاول نفي مسؤوليتها عن انتشار الوباء العالمي (كوفيد-19)، يمثل قانون الأمن القومي المتعلق بهونغ كونغ قضية حساسة تخلق التوتر مع الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية. وتلوح الولايات المتحدة، بحجة نشر كوفيد-19 وقانون الأمن القومي، بفرض عقوبات تجارية على كل من الصين وهونغ كونغ وتعليق المرحلة الأولى من اتفاقها التجاري مع بكين التي تؤكد نيتها بالرد بالمثل على موقف الولايات المتحدة.

وبينما تتعامل الصين مع هذه القضايا المتعددة الجوانب، تسعى بجدية أيضاً إلى تطوير علاقات اقتصادية وسياسية واسعة مع البلدان الواقعة في الممرات الجنوبية والوسطى والشمالية لمبادرة الحزام والطريق.

لكن التطورات الأخيرة في بعض الدول الواقعة على المسار الجنوبي للبرنامج مثل الهند وباكستان وإيران، تشير إلى أن الأمور لن تكون سهلة.

فقضية كشمير التي تحولت إلى طريق مسدود بين باكستان والهند، تمثل بالفعل مشكلة خطيرة خصوصاً بعد فقدان الجنود من كلا الجانبين في الصراع الأخير على الحدود بين الهند والصين الذي اعتبر مقدمة توترات جديدة في علاقات البلدين.

كما حظرت الحكومة الهندية 58 تطبيقاً من أصل صيني، بما في ذلك تطبيق الفيديو القصير “UCWeb” و””TikTok و”WeChat” لعملاق التجارة الإلكترونية على الإنترنت. والهند التي هي ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم، تشكل سوقاً هائلة للشركات الصينية التي تبيع الهواتف المحمولة وتطبيقاتها. لهذا السبب قد يتعرض مستقبل مشروع الحزام والطريق إلى مخاطر، بالإضافة إلى الخسائر الكبيرة في إيرادات الشركات الصينية.

وفيما يتعلق بالمعادلة الليبية، يبدو أن فرنسا مستاءة من خططها المبعثرة مثل دعمها لمرتكب جرائم الحرب التي كُشف عنها مؤخراً، وهذا ما دفع ماكرون إلى حالة جنون من خلال اتهام تركيا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

كما أن وفاة “كريستوف دي مارغيري” المدير العام لشركة الطاقة الفرنسية “توتال”، في حادث تحطم طائرة بمطار في موسكو، لا تزال لغزاً غامضاً.

فهل تعود المفاوضات بين فرنسا وروسيا بشأن ليبيا إلى تلك الأيام؟ أليس من الغريب أن تحطم الطائرة وقع في 21 أكتوبر 2014 ، أي بعد ثلاث سنوات من مقتل القذافي في 20 أكتوبر 2011؟

كذلك أثبتت الأرقام التسلسلية للصواريخ والأسلحة التي خلفتها قوات حفتر أنها معدات باعتها الولايات المتحدة لفرنسا. وستتنامى التوترات بين ألمانيا وفرنسا بسبب رغبة كل منهما في إقامة علاقة جديدة مع الصين وروسيا وسياسيي الولايات المتحدة الجدد ولن يترك ماكرون بمفرده.

.

كرم ألكن بواسطة / كرم ألقن 

قد يعجبك أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد