تركيا الآن.. عين على تركيا

تقنين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا

548

أعلن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا اعتزامه تقديم مشروع قرار إلى البرلمان لتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف سد الثغرات القانونية الموجودة في هذا المجال، والحيلولة دون استخدام تلك الوسائل في ارتكاب الجرائم. ويدعم حليفه في البرلمان، حزب الحركة القومية، هذه الخطوة، بل ويراها ضرورية، كما عبر عن ذلك رئيس الحزب دولت بهتشلي.

هذا الملف له جانبان، أحدهما اقتصادي والآخر أمني. وتقول الحكومة التركية إن الشركات التي تملك تلك الوسائل تكسب من البلاد ملايين الدولارات دون أن تدفع إليها قرشا كضريبة. ويهدف مشروع القرار إلى أن يلزم تلك الشركات بفتح مكاتب ارتباط في تركيا، ودفع ضرائب من مكاسبها كبقية الشركات العاملة في البلاد.

الجانب الثاني، وهو الأهم، أن ترفض بعض تلك الشركات التعاون مع السلطات التركية للتوصل إلى أدلة في الجرائم التي يتم ارتكابها عبر وسائلها، الأمر الذي يؤدي إلى هروب المجرمين من قبضة العدالة. وعلى سبيل المثال، شتم أحد مستخدمي موقع تويتر وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، وطعن في شرفه، ولما رفع الوزير دعوى قضائية ضده، حكم القاضي ببراءة المتهم لعدم وجود أدلة قاطعة، لأن المتهم قال إن الحساب المذكور لا يعود إليه، وأن موقع تويتر رفض أن يزوِّد المحكمة بمعلومات حول هوية صاحب الحساب.

حملات بث الشائعات والأكاذيب التي تشنها التنظيمات الإرهابية، كحزب العمال الكردستاني والكيان الموازي، عبر مواقع التواصل تهدد أمن تركيا واستقرارها، كما تلحق خسائر بالاقتصاد التركي. وتهدف بعض تلك الحملات إلى ضرب الليرة التركية، ودفع المواطنين إلى شراء الدولار الأمريكي، كي يرتفع سعر هذا الأخير أمام العملة الوطنية. كما تستخدم التنظيمات الإرهابية هذه المنصات لنشر معلومات خاطئة بعد الكوارث الطبيعية أو الحالات الطارئة، مثل الزلازل والحرائق وجائحة كورونا، لتضليل الرأي العام، وبث الرعب والهلع في صفوف المواطنين، لضرب ثقتهم بتصريحات المسؤولين، ودفعهم إلى التشكيك حول المعلومات الرسمية المعلنة.

سقف الحريات في تركيا الديمقرطية عالٍ للغاية، مقارنة بكثير من الدول الأخرى. ويؤكد حزب العدالة والتنمية أن المعايير التي يحتويها مشروع القرار لتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، هي على غرار المعايير الموجودة في الدول الأوروبية، مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وليست كمعايير إيران أو الصين أو غيرهما من الأنظمة القمعية. كما أن إغلاق مواقع التواصل الاجتماعي أمر غير وارد على الإطلاق.

هناك ازدواجية في تعامل الشركات التي تملك وسائل التواصل الاجتماعي، مثل تويتر، مع دول العالم؛ لأنها تفتح في بعض الدول مكاتب، وتتعاون مع سلطاتها، وتزوِّدها بمعلومات عن المستخدمين، على الرغم من أن أنظمة بعض تلك الدول، مثل الإمارات، من أكثر الأنظمة دكتاتورية وقمعا للحريات، فيما ترفض ذات الشركات أن تفعل ذلك في دول أخرى. ولذلك، يتساءل الأتراك عن سبب هذه الازدواجية التي يرفضونها، ويطالبون تويتر وغيره بالعدل والمساواة في التعامل مع بلادهم.

الكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة كولن، شن عام 2014 حملات على الحكومة المنتخبة عبر حسابات وهمية، ونشر تسجيلات صوتية مفبركة في مواقع التواصل الاجتماعي، على رأسها موقع تويتر، لإثارة الشارع التركي. وقامت تركيا آنذاك بحجب موقع تويتر لعدم تعاونه مع السلطات التركية. وجاء ممثلون من الشركة إلى أنقرة لحل المشكلة. وعرضت الحكومة عليهم مطالبها، وكانت الشركة على وشك القبول بتلك المطالب، لولا تدخلت المحكمة الدستورية وقضت بأن قرار الحجب يتعارض مع الدستور.

المحكمة الدستورية نظرت قبل ست سنوات في تلك الدعوى المرفوعة ضد قرار الحجب من قبل ثلاثة مواطنين بتهمة انتهاك حرية التعبير، خلال أيام، لتعلن حكمها بسرعة البرق، ومنحت شركة تويتر ذريعة لعدم الاستجابة لمطالب الحكومة التركية المشروعة. ويقول مراقبون إن المحكمة اتخذت ذاك القرار تحت ضغوط وكيل رئيس المحكمة آنذاك، ألب أرسلان ألطان، الذي تمت محاكمته بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة بتهمة الانتماء إلى الكيان الموازي، وحكم عليه بالسجن لمدة 11 عاما.

مفهوم الوطن وحدوده في هذا العصر تغير، وأصبح من الضروري أن يشمل هذا المفهوم العالم الافتراضي، كما يشمل ما يقع داخل الحدود البرية والبحرية. وعلى الحكومة أن تحمي الوطن والمواطنين من الهجمات التي تأتي من العالم الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي كما تحمي حدود البلاد البرية والبحرية ومجالها الجوي. ومن المتوقع أن تًتهم تركيا بالتضييق على حرية التعبير، بسبب مشروع القرار، إلا أنه من حق كافة الدول أن تضع معايير وتسن قوانين لتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، كما تفعل الدول الأوروبية .

تقنين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي  بواسطة/ إسماعيل ياشا
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “تركياالآن”
قد يعجبك أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد