تركيا الآن.. عين على تركيا

لبنان.. البلد الأبيض

262

منذ الانفجار المروّع الذي وقع الأسبوع الماضي في العاصمة اللبنانية بيروت حتى الآن، يتم الكشف عن تفاصيل جديدة بشكل يومي تقريبًا، حول انجرار البلاد نحو التردّي. لقد اتضح مؤخرًا أنه قبل أسبوعين فقط من هذه الكارثة التي أسفرت عن مصرع ما لا يقل عن 171 شخصًا، وأكثر من 6 آلاف مصاب، فضلًا عن تدمير آلاف المنازل، تم تحذير الرئيس اللبناني ميشيل عون ورئيس حكومته حسان دياب المستقيل، من هذه القضية.

ولقد جاء في التقرير الخاص الذي قدمته جهات أمنية رفيعة المستوى إلى كلّ من عون ودياب، في 20 يوليو/تموز، أن “نترات الأمونيوم الموجودة داخل المخازن تشكل تهديدًا كبيرًا. يمكن أن يتم استخدامها في الهجمات الإرهابية. لو انفجرت يمكن أن تبيد بيروت بأكملها”. وفي الواقع حدث ذلك، انفجرت ودمرت معها بيروت.

بعد هذه الحادثة التي يمكن أن نقارنها مع قنبلة هيروشيما، خرج المسؤولون اللبنانيون كل منهم يقيّم الأمر من زاويته. الرئيس عون قال، “بالطبع أنا لست مسؤولًا، كيف لي أن أعرف ما الذي يتم تخزينه في المرفأ، أو ما مدى خطورة ذلك؟ إدارة المرفأ ليست مرتبطة بي بشكل مباشر، بل هناك تسلسل هرمي وجهة مسؤولة”. أما الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، فقد قال “لا شيء لنا في المرفأ، وليس لدينا معرفة بمرفأ بيروت ومحتوياته”.

أما رئيس الوزراء المستقبل حسان دياب، الذي حاول بادئ الأمر أن يهدّئ حالة الغضب الشعبية، فقد اضطر مؤخرًا للاستقالة حينما لم يقنع الشاعر اللبناني بذلك. بينما اكتفى رئيس مجلس النواب نبيه بري بمتابعة ما يجري في صمت.

والآن بعد أسبوع كامل على الانفجار لا يوجد هناك أحد “مسؤول” عن هذه القضية. ليس من السهل بطبيعة الحال تقديم إجابات واضحة على أسئلة مثل سبب تخزين هذه المواد الكيماوية الخطيرة في المرفأ لمدة 6 سنوات، ولمن تعود تلك المواد، ومن سيدفع فاتورة هذه الكارثة الناتجة عن ذلك، في بلد تتجاذب أطرافه الثلاثة ما بين السعودية وإيران وفرنسا.

من المعلوم أن الأسس الأولى لحزب الله تم وضعها، تزامنًا مع حصار إسرائيل للعاصمة بيروت عام 1982. لكن سرعان ما بدأت هذه “المنظمة” التي تحظى بكل الدعم من طهران، في السيطرة تدريجيًّا على مفاصل جهاز الدولة في لبنان لتصبح أقوى من أي وقت مضى يومًا بعد يوم. ومن المفارقة الساخرة أن هذه لمنظمة التي تشكلت تحت قناع “المقاومة والممانعة ضد الاحتلال الإسرائيلي”، زاد في عهدها الموقف العدائي لإسرائيل ولم ينقص.

لقد تعمد “حزب الله” إظهار نفسه على أنه “حامي وحارس” لبنان، واضعًا خنجر “إسرائيل” في خاصره هذا الشعب، ليتحكم مع مرور الوقت في جهاز الاستخبارات والبيروقراطية والمنافذ والموانئ والمطارات والنصيب الأكبر من التجارة الداخلية والخارجية في لبنان.

لقد استفاد الحزب بشكل كبير من الإعلام كوسيلة دعاية وتجميل، كما استطاع وضع ثقله على الساحة السياسية من خلال التلاعب بالتوازنات الداخلية الهشة في لبنان. لقد وصل الحزب إلى جرجة أنه بدءًا من رئيس الجمهوري ورئيس الوزراء إلى رئيس مجلس النواب وقادة الجيش وغيرهم إلى حد كبير، لا يتمكنون من الخروج التام على حزب الله، “مكرَهين” إلى حد بعيد.

حين النظر إلى هذا المشهد الحالي في لبنان، من المستحيل أن نقول بأن المواد المتفجرة في مرفأ بيروت كانت مخزنة هناك دون إذن أو بالأحرى توجيه وسيطرة من حزب الله. وعلى الرغم من أن نصر الذي بلا شك يخاف من غضب الشعب وفورته، يحاول تشتيت انتباه الجميع وتمييع القصة، إلا أن الجميع في لبنان يهمس بأن حزب الله هو المتهم الأول.

المشكلة الرئيسية اليوم في لبنان هو أن شريحة واحدة من بين 18 شرائح دينية وطائفية مختلفة تشكّل نوارة لبنان الرئيسية؛ تريد الاستفراد بالسلطة والتحكم بهذا البلد والهيمنة عليه بشكل تام، نتحدث عن “حزب الله” الذي يمثل الشريحة الشيعية المدعومة من إيران.

المشهد مؤلم في الحقيقة بالنسبة للشعب اللبناني، في بلد بواجه مخاطر عدوان إسرائيلية حقيقية وجهًا لوجه فلي الجنوب، بينما لا تزال فرنسا مهووسة بإعادة انتدابها واستعمارها، أما السعودية فتحلم بتأسيس نفوذ في لبنان عبر البوابة السنية، إلا أن الشعب بين هذه الدوامات يبقى محرومًا من الموارد الطبيعية، يعيش تحت حكم اعتاد الفساد، وفي بلد فقير لا توجد أرضية مشتركة بين شعبه سوى “شجرة الأرز”، وصراعات مؤلمة للغاية.

يشير أصل اسم لبنان المستخدم منذ الفينيقيين بجميع لغات المنطقة إلى المعنى ذاته؛ ألا وهو “البلد الأبيض”. يمتد لبنان مثل عروس مدللة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وقد حصل لبنان على هذا الاسم بسبب جباله المهيبة المغطاة بالثلوج البيضاء معظم أيام السنة. هذه الجبال التي شهدت العديد من الأساطير والأحداث التاريخية، هي في الوقت ذاته وطن الأرز كانت ولا تزال. إنها من إحدى مفارقات التاريخ القاسية، أن لبنان الذي يشير اسمه ويرمز علمه إلى “البياض”، نراه اليوم موشحًا باللون الأسود الطاغي. لكن هذا حال بلاد الشرق الأوسط لا تخلو من المفارقات القاسية والساخرة، فكما لبنان؛ هناك أيضًا بغداد التي كانت يومًا ما في عهد الخليفة العباسي “المنصور” تُسمّى بمدينة السلام، تعيش اليوم مأساة مؤسفة.

ليست الأحلام فقط تنقلب إلى عكسها في منطقتنا، بل حتى الأسماء كذلك الأمر.

.

طه كلينتش بواسطة / طه كلينتش  

قد يعجبك أيضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد