أزمة أتاتورك في حزب الشعب الجمهوري

أسَّس مصطفى كمال أتاتورك مع رفاقه، في 9 أيلال/ سبتمبر / أيلول 1923، “فرقة الشعب” كأول حزب سياسي للجمهورية التركية التي أعلن ولادتها بعد أقل من شهرين. وأضيف إلى اسم الحزب عام 1924 كلمة “الجمهوري”، ليتم تغيير كلمة “فرقة” إلى “حزب” في مؤتمره
العام الرابع عام 1935، ليصبح اسمه “حزب الشعب الجمهوري”.

حزب الشعب الجمهوري، حكم البلاد منذ تأسيسه إلى الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 1950 وفاز فيها الحزب الديمقراطي

برئاسة عدنان مندريس بأغلبية ساحقة. ولم يتقبل حزب الشعب الجمهوري تلك الخسارة المدوية في صناديق الاقتراع، ما دفعه
إلى تحريض الجيش ضد الحزب الديمقراطي، ودعم الانقلاب على الإرادة الشعبية، لأنه كان – وما زال – يعتبر نفسه “مؤسس
الجمهورية”، و”حزب أتاتورك”.

رئيسة فرع إسطنبول لحزب الشعب الجمهوري، جانان كافتانجي أوغلو، أشعلت في صفوف الحزب نقاشا حادا حين قالت في

جوابها على سؤال عن سبب تجنبها لاستخدام اسم “أتاتورك”، إنها تفضِّل دائما في حديثها عن مؤسس الجمهورية استخدام
اسم “مصطفى كمال” بدلا من “أتاتورك”. واعتبر كثير من نواب حزب الشعب الجمهوري وقادته هذه التصريحات إساءة لأتاتورك،
وانتقدوا صاحبتها دون ذكر اسمها.

النقاش الذي أشعلت فتيله كافتانجي أوغلو في حزب الشعب الجمهوري يستمر، في ظل شعور عدد كبير من قادة الحزب

وأعضائه بأن “الوطنيين” و”الأتاتوركيين” يتعرضون للتهميش، لصالح اليساريين المتطرفين المقربين من حزب الشعوب
الديمقراطي الموالي لحزب العمال الكردستاني، علما بأن كافتانجي أوغلو، هي ذاتها مقربة من منظمة “جبهة حزب
التحرير الشعبي الثوري” الإرهابية.

إقرأ إيضا : من أحضر ” جانان قافطانجي أوغلو ” هو الذي أحضر كليجدار أوغلو سيُنهون على أتاتورك بيد الشعب الجمهوري!

استياء “الوطنيين” و”الأتاتوركيين” من قيادة حزب الشعب الجمهوري وخطه السياسي لا يأتي من فراغ، لأن الحزب تتم هندسته

وإعادة بنائه بشكل ممنهج منذ إسقاط رئيسه السابق، دنيز بايكال، من خلال فضيحة جنسية يعتقد معظم المراقبين بأن
الكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة كولن، يقف وراء تفجيرها. وتهدف هذه العملية إلى إبعاد حزب الشعب الجمهوري
عن هويته القديمة وخطه السياسي التقليدي، ليسهل تحالفه مع أطراف لديها مشاكل مع ذاك الخط.

حزب الشعب الجمهوري بفضل تلك الهندسة السياسية، أصبح قابلا لاستيعاب عناصر الكيان الموازي في صفوفه، وتحول

من حزب يعادي التنظيم السري ويحذر منه إلى مدافع عنه، ولو بطريقة غير مباشرة. وهذا التحول هو الذي دفع الحزب
إلى ترشيح الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي، أكمل الدين إحسان أوغلو، لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2014،
وهو الذي جعله يفكر في ترشيح رئيس الجمهورية السابق، عبد الله غول، لمنافسة رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان،
في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

كافتانجي أوغلو لم تتراجع عن تصريحاتها المثيرة رغم النقاش الدائر حولها وكل الانتقادات الموجهة إليها. ولو كانت تلك

التصريحات صدرت في السابق عن أي عضو في الحزب لتم طرده من الحزب فورا، ولكن حزب الشعب الجمهوري لم يفتح
حتى مجرد تحقيق في حق كافتانجي أوغلو، ما يشير إلى قوة نفوذها في الحزب.

وسائل الإعلام التركية تنشر هذه الأيام تقارير ومقالات حول النقاش الدائر في صفوف حزب الشعب الجمهوري حول تصريحات

كافتانجي أوغلو الأخيرة. ويذكر أحد تلك التقارير أن المتحدث باسم حزب الشعب الجمهوري، فائق أوزتراك، عبّر في اجتماع
اللجنة الإدارية المركزية للحزب، عن انزعاجه من تصريحات كافتانجي أوغلو ومواقفها المثيرة، مضيفا أن الشارع التركي يذكرها
بتأييدها مزاعم الأرمن حول تعرضهم لإبادة جماعية، كما يذكرها بتناول زوجها لحم الخنزير.

وكان زوج كافتانجي أوغلو قد نشر في أحد مواقع التواصل الاجتماعي صورة صحن فيه بقايا عظام، وكتب تحتها “كان في

هذا الصحن قبل سبع دقائق ربع خنزير”.

 

إقرأ إيضا : قراءات في الآراء المتطرفة بين أتاتورك والخلافة

نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزل، نشر في ذكرى اغتيال كاتب كردي تغريدة ليترحم عليه.
وكان ذاك الكاتب من أشد المؤيدين لحزب العمال الكردستاني، كما كان مشهورا بإساءته لأم أتاتورك بألفاظ غليظة، واعتقل
آنذاك بسبب تلك الإساءة. وانتقد كثير من مؤيدي حزب الشعب الجمهوري ومحبي أتاتورك تغريدة أوزل، وأبدوا استغرابهم
من توليه منصبا قياديا في “حزب أتاتورك”. ولم يكن ممكنا على الإطلاق، قبل تعرض حزب الشعب الجمهوري لعملية التغيير،
ثناء قيادي فيه على من يسب أم أتاتورك.

حزب الشعب الجمهوري لا يمكن أن يتخلى عن استغلال اسم أتاتورك وصوره في دعاياته، ولا عن وصف نفسه بــ”حزب أتاتورك”،

لأن هذا الاستغلال يضمن له تأييد ما يقارب ٢٠ في المئة من الناخبين وتصويتهم لصالحه بشكل أعمى دون النظر في أسماء
مرشحيه وتفاصيل سياساته. إلا أن احتدام النقاش حول انحراف الحزب عن خطه السياسي التقليدي قد يؤدي إلى انشقاقات،
في ظل تحركات تهدف إلى إعادة حزب الشعب الجمهوري إلى هويته الأصلية أو تأسيس حزب جديد.

 
أزمة أتاتورك في حزب الشعب الجمهوريبواسطة/ إساماعيل ياشا
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “تركياالآن”
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.