إعلان فرص عقارية في تركيا

التوتر التركي – اليوناني: هل تندلع الحرب هذه المرة؟

0 167

تتناول هذه الورقة الملفات الخلافية بين أنقرة وأثينا وأسباب التوتر بينهما، وتناقش الأبعاد المختلفة في محطة التوتر الحالية عن سابقاتها. وتبحث الورقة احتمالات انتقال حالة التوتر بين البلدين إلى صدام عسكري مباشر بينهما، من خلال العوامل الدافعة لذلك والمانعة له.

إثر تعقب المنظومات الدفاعية اليونانية لمقاتلات تركية فوق البحر المتوسط، عاد التوتر ليسود العلاقات بين أنقرة وأثينا، مع تهديدات وتلميحات بخصوص صدام عسكري محتمل بينهما، وتقديم كل منهما شكاوى بحق الآخر لدى حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي ومجلس الأمن الدولي.

تبحث هذه الورقة في الملفات الخلافية بين أنقرة وأثينا وأسباب التوتر بينهما، والمختلف في محطة التوتر الحالية بينهما عن سابقاتها. وتدرس الورقة احتمالات انتقال حالة التوتر بين البلدين إلى صدام عسكري مباشر بينهما، من خلال العوامل الدافعة لذلك والمانعة له.

وترى الورقة أنه رغم حدة التصريحات من الجانبين والحديث عن الصدام العسكري إلا أن الأخير يبقى احتمالًا غير مرجح في الوقت الحالي، وإن كان ثمة تطورات مستقبلية قد تزيد من فرصه واحتمالاته.

الخلفية: نزاع مركَّب

يعد النزاع التركي-اليوناني من النزاعات التقليدية الباقية دون حل منذ القرن الماضي؛ إذ تسهم في إذكائه سياقات تاريخية ودينية وقومية وثقافية وجيوسياسية، وهو ما يوتر العلاقات بين البلدين بشكل مستمر مع فترات من التهدئة التي يمكن عدُّها استثناءً، رغم أنهما عضوان في حلف شمال الأطلسي بما يفترض أنهما حليفان أو على أقل تقدير ليسا خصمين.

تقليديًّا، تتناقض رؤية البلدين وتتصادم حول عدد من الملفات الخلافية في مقدمتها القضية القبرصية، وجزر بحر إيجه بما يشمل مسألة تسليحها والمياه الإقليمية وتداخل المجال الجوي، والفيتو اليوناني على دخول تركيا للاتحاد الأوروبي، وترسيم الحدود البحرية في بحرَيْ، المتوسط وإيجه(1). لكن اكتشاف كميات من الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط أعاد إذكاء الخلافات بين البلدين في السنوات القليلة الأخيرة بخصوص ترسيم الحدود البحرية وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة لكل منهما في البحر المتوسط على وجه الخصوص، لارتباط الأمر بتقاسم الثروات المتوقعة وخصوصًا الغاز الطبيعي، من جهة، والتنافس الجيوسياسي في المنطقة، من جهة أخرى.

وكما رسمت ثروات الغاز المتوقعة في المنطقة العلاقات بين البلدين، فقد أطَّرت كذلك خريطة الاصطفافات في المنطقة. فبعد عقود من جمود الحل بخصوص القضية القبرصية، تراجعت تركيا عن دعم توحيد الجزيرة داعية إلى تأسيس دولتين واحدة للقبارصة الأتراك وأخرى للقبارصة اليونانيين(2). ويبدو ذلك مدفوعًا في جزء منه بما يعكسه من مصالح تركية (وقبرصية-تركية) متوقعة من تقسيم الحدود البحرية وفق هذا الحل.

ومن جهة أخرى، فقد أسست اليونان مع كل من قبرص اليونانية و”إسرائيل” ومصر وإيطاليا (والأردن وفلسطين)، وبدعم من الإمارات وفرنسا، منتدى غاز شرق المتوسط في بداية عام 2019 في محاولة لمواجهة تركيا وعزلها(3)، لترسِّم الأخيرة حدودها البحرية مع ليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه(4)، وتعرض الفكرة ذاتها على مصر مرارًا(5).

منذ ستينات القرن الماضي ثم مع التدخل التركي عسكريًّا في قبرص، عام 1974، تحت اسم “عملية سلام قبرص”، تصاعد التوتر بين البلدين عدة مرات، ووصل ذروته عام 1996 بسبب إحدى جزر بحر إيجه(6). لكن العلاقات بين البلدين أخذت منحى تصعيديًّا في السنوات القليلة الأخيرة بسبب النزاع في شرق المتوسط، وكادا يصلان إلى حافة المواجهة العسكرية في أغسطس/آب 2020(7).

تدخل الناتو وسيطًا بين الجانبين، وخفَّفت تركيا من أنشطة التنقيب في شرق المتوسط كبادرة حسن نوايا، وبدأت بين الجانبين حوارات استكشافية حول الخلافات والملفات العالقة بينهما. ثم كانت الحرب الروسية-الأوكرانية عاملًا إيجابيًّا على صعيد علاقات البلدين، فزار رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس متسوتاكيس، تركيا والتقى الرئيس أردوغان، في مارس/آذار 2022، متحدثًا عن ضرورة “إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وتحسين العلاقات على الرغم من الخلافات” من باب أن البلدين يتحملان “مسؤولية خاصة في الهيكل الأمني الأوروبي المتغير” على هامش الحرب الروسية-الأوكرانية(8).

أسباب التوتر الأخير: ما الجديد؟

رغم الأجواء الإيجابية التي أسست لها زيارة ميتسوتاكيس لتركيا، إلا أن العلاقات بين البلدين عادت للتوتر سريعًا، سياسيًّا أولًا ثم ميدانيًّا.

زار الأخير واشنطن في مايو/أيار الفائت لمناسبة الذكرى الـ 201 لبدء العلاقات اليونانية-الأميركية، ودعا في كلمته أمام الكونغرس أعضاء الأخير لأن يراعوا حساسيات بلاده في أية صفقة سلاح لتركيا ولاسيما الوضع في شرق المتوسط(9)، وهو ما رأت فيه الأخيرة تحريضًا على عدم بيعها مقاتلات F-16 التي تفاوض واشنطن بخصوصها مؤخرًا.

كانت ردَّة الفعل التركية حادة جدًّا، واحتج أردوغان على “إقحام أطراف ثالثة” في العلاقات التركية-اليونانية على عكس ما اتفق عليه البلدان معلنًا عن نهاية الحوار بينهما(10).

ميدانيًّا، اشتكت أنقرة من تحرش الأنظمة الدفاعية اليونانية بمقاتلات F-16 من أسطولها الجوي خلال مهمة لحلف الناتو فوق المتوسط. قالت أنقرة: إن أثينا استخدمت منظومة S-300 الدفاعية الروسية ضد مقاتلاتها وإنها شوَّشت على راداراتها(11)، وهو ما أنكرته الأخيرة. ويحمل هذا التطور دلالات مهمة بالنسبة لأنقرة، فهي المرة الأولى التي تستخدم فيها أثينا المنظومة الروسية التي يفترض أنها غير مفعلة، ومن جهة ثانية فهي دليل -من وجهة نظرها- على ازداوجية معايير الولايات المتحدة وحلف الناتو حيث كانت تركيا نفسها قد تعرضت لانتقادات وعقوبات لشرائها منظومة S-400 الروسية الدفاعية بما في ذلك إخراجها من مشروع مقاتلات F-35.

أرسلت تركيا رسائل رسمية للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، والأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وللأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبيرغ، وأغلب الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وممثله السامي للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية، جوزيب بوريل. وقد تضمنت الرسائل ما تعدُّه أنقرة “ممارسات غير قانونية ومطالب متطرفة” لليونان، مع شرح وجهة نظر تركيا وموقفها، وكذلك “الخطوات الاستفزازية والعدائية” من اليونان تجاه تركيا(12). وحسب أنقرة، فقد انتهكت اليونان منذ بداية العام الحالي الأجواء التركية عبر مقاتلاتها 256 مرة، ومياه تركيا الإقليمية بمراكب خفر السواحل لديها 33 مرة، وتحرشت بالمقاتلات التركية 158 مرة(13).

ترى أنقرة أن اليونان تتعمد توتير العلاقات معها، وقال الرئيس التركي: إن بعض الدول -لم يسمِّها- تستخدم اليونان لخوض حرب بالوكالة ضد تركيا كما حصل قبل قرن من الآن(14)، لكن بعض المسؤولين الأتراك ذكروا أنه يقصد فرنسا والولايات المتحدة الأميركية(15).

فبعد رهان يوناني على بعض القوى الإقليمية، مثل مصر والإمارات و”إسرائيل”، لمواجهة تركيا وعدم استعداد هذه الأخيرة لها ثم تطبيعها للعلاقات مع أنقرة، وبعد سنوات من الدعم الفرنسي الشامل لأثينا في مواجهة أنقرة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي وعلى صعيد ملف التسليح، وبعد تراجع الاتحاد الأوروبي نفسه عن مسار العقوبات والضغوط على أنقرة(16)، ترى الأخيرة أن اليونان تراهن على دعم الولايات المتحدة لها.

جدَّدت واشنطن وأثينا معاهدة التعاون الدفاعي بينهما في ظل توتر بين الأخيرة وأنقرة، وبما يشمل توسيع النشاط الأميركي العسكري في اليونان واستخدامها قواعد عسكرية إضافية(17)، وقال وزير الخارجية اليوناني، نيكوس دندياس، بعد التوقيع: إن البلدين سيواجهان التهديدات في شرق المتوسط، في إشارة لتركيا(18). كما أن تركيا تنتقد تخلي الولايات المتحدة عن موقفها المحايد في النزاع بين الدولتين وكذلك في القضية القبرصية لصالح اليونان وقبرص اليونانية(19)، وتعلن عن عدم تصديقها لسردية واشنطن بأن قواعدها العسكرية في اليونان وجزيرة كريت ومناوراتها العسكرية مع اليونان قرب الحدود التركية موجهة ضد روسيا(20).

المآلات: هل يحصل صدام عسكري؟

ارتفع منسوب التوتر بين البلدين على مدى الشهور الفائتة وبلغ ذروته مع حادثة استهداف المقاتلات التركية وهو ما عدته أنقرة عملًا عدائيًّا لا يستقيم وروح التحالف داخل حلف الناتو. لم يقف الأمر عند شكوى البلدين كل منهما للآخر لدى المنظمات الدولية والإقليمية، وإنما بدأ الحديث في البلدين عن احتمالات الحل العسكري وسيناريوهاته بل والاستعداد له.

وصف الرئيس التركي الجزر اليونانية في بحر إيجه بـ”المحتلة” بما يعني عدم التسليم بتبعيتها لليونان لاسيما الجزر التي انتقلت للأخيرة من إيطاليا مباشرة وفق اتفاقية باريس للسلام، 1947، من دون موافقة تركيا(21)، وقال رئيس وزرائه، مولود جاويش أوغلو: إن تسليح اليونان للجزر يطرح مسألة سيادتها عليها للنقاش من باب أن السيادة اليونانية مرتبطة بشرط نزع السلاح(22). وهدَّد أردوغان اليونان قائلًا: “قد نأتيكم بغتة ذات ليلة”(23)، وهي الجملة التي طالما رددها سابقًا في وجه المنظمات التي تعدها بلاده إرهابية وانفصالية في شمال سوريا قبل شن عمليات عسكرية ضدها، كما أنها -أي الجملة- جزء من أغنية ارتبطت بالعملية العسكرية التركية في قبرص، عام 1974، ضد اليونان نفسها؛ مما يزيد من دلالاتها.

ولأن كل دولة تمثل العدو/الخصم التاريخي والديني والقومي للأخرى، تتكاثر في كلتيهما تقديرات وتقييمات ترى أن الحرب سيناريو حتمي، ويأخذ بعضها شكل التهديد المباشر بالحرب. وفيما بدا محاولة لإثبات صحة سرديتها بأن تركيا هي من تريد الحرب، عمدت اليونان إلى حفر خنادق على حدودها مع الأخيرة كإجراء دفاعي لأي حرب برية محتملة(24).

أكد أردوغان أكثر من مرة بأن اليونان ليست ندًّا لا اقتصاديًّا ولا عسكريًّا لبلاده، في إيحاء بأن المواجهة العسكرية المباشرة مع تركيا ليست في صالحها ولا تخدم مصالحها الذاتية. وإضافة إلى الجوانب الجغرافية والسكانية والاقتصادية التي تميل لصالح تركيا بشكل واضح، فإن أرقام موقع Global Fire Power تدعم هذه الرؤية التركية في الجانب العسكري كذلك؛ حيث يأتي الجيش التركي في المركز الـ 13 عالميًا مقابل الـ 27 للجيش اليوناني، وفق تصنيف عام 2022(25).

ويعقد الجدول التالي مقارنة بين قدرات البلدين والأعداد التي تضمها القوات الجوية والبرية والبحرية في كل من البلدين مما يتعلق بالأسلحة الأهم في أي مواجهة عسكرية، وفق الموقع ذاته(26).

السلاح

تركيا      اليونان

الطائرات                   1057      633

الطائرات المقاتلة           205       188

المروحيات                  474       270

المروحيات المقاتلة         107       29

الدبابات                    3022       1243

الأسطول البحري          156         120

ورغم ذلك، ثمة تقديرات بأن القوة الجوية هي الحاسمة في أية مواجهة محتملة بين الجانبين، وأن أنقرة تخشى من تقادم أسطولها الجوي لاسيما بعد إخراجها من مشروع مقاتلات F-35 وعدم حسمها صفقة مقاتلات F-16 مع الولايات المتحدة، مقابل حصول اليونان على طائرات رافال من فرنسا و F-16وربما F-35 من الولايات المتحدة، بما يمكن أن يقلب الكفة لصالحها على المدى البعيد(27).

ولأن القدرات الذاتية لكل من البلدين ليس المحدد الوحيد لتقدير احتمالات الصدام العسكري، يبقى الأخير احتمالًا قائمًا نظريًّا ولكنه يعتمد على جملة من العوامل الدافعة والكابحة له.

تبقى الملفات العالقة بين البلدين دافعًا رئيسًا للصدام، وخصوصًا ملفات الغاز وتسليح جزر بحر إيجه وبدرجة أقل القضية القبرصية، لاسيما أنها ترتبط من عدة زوايا بالأمن القومي للبلدين. فالجزر التي تتهم تركيا اليونانَ بتسليحها خلافًا لاتفاقيتي لوزان، 1923، وباريس للسلام، 1947، تقع على بعد كيلومترات فقط من البر التركي، كما أن الغاز المتوقع في شرق المتوسط سيكون رافدًا مهمًّا للقوة الاقتصادية والمكانة بشكل عام للدولة التي ستحصل عليه.

استمرار اليونان بالتصعيد رغم تهديدات أنقرة، بما في ذلك إطلاق النار على سفينة تجارية تركية في المياه الدولية(28)، يشير إلى رغبتها في استمرار التوتر فيما يبدو. ويضاف لذلك أن العوامل العديدة التي شكَّلت أرضية للحرب الروسية-الأوكرانية، وفي مقدمتها الأوضاع الاقتصادية المتردية عالميًّا وارتدادات جائحة كورونا وغيرها من العوامل، قد تعمل على تسخين العلاقات التركية-اليونانية كما فعلت مع مناطق أخرى من العالم مثل تايوان والبلقان.

ومن العوامل التي يمكن أن تسهم في تسخين الأجواء بين البلدين قرب محطات انتخابية مفصلية في كلا البلدين؛ حيث تنتظر تركيا انتخابات رئاسية وبرلمانية حاسمة في يونيو/حزيران 2023 (وثمة احتمال قائم بتقديمها)، وتسبقها اليونان في الربيع المقبل بانتخابات برلمانية وبلدية؛ إذ سيشكل الخطاب الحاد والتهديدات وربما الاحتكاكات الميدانية عوامل جالبة للأصوات في ظل التحشيد في البلدين ضد بعضهما البعض وحالة التأييد الداخلية للصدام في كليهما.

يضاف لكل ذلك حالة انعدام الثقة بين البلدين، وافتقادهما لأية آلية متفق عليها أو مرجعية للفصل القانوني بينهما بعد تراجع اليونان عن التفاوض وفق مسار اتفاقية برن(29)، وتوقف جولات الحوار بينهما، وانشغال الولايات المتحدة وحلف الناتو بالحرب الروسية-الأوكرانية، وكذلك عدم وجود أدوات ضغط متبادلة باستثناء المجال العسكري.

ولا شك في أن اكتشاف أحواض للغاز في أي منطقة متنازع عليها بين البلدين قد تكون عامل تفجير بين البلدين وتدفع حالة التوتر لمستوى الصدام بينهما، بل ربما أدى اكتشافه في مناطق غير متنازع عليها لذلك لما له من تأثير كاسر للتوازن بين البلدين.

في المقابل، ثمة عوامل تسهم في منع انتقال البلدين من التوتر إلى التصعيد العسكري والصدام المباشر. في مقدمة هذه العوامل الحرب الروسية-الأوكرانية؛ إذ إن آخر ما يمكن أن يرغب به حلف الناتو هو حرب بين دولتين من أعضائه فيما هو يحاول التركيز على مواجهة روسيا في أوكرانيا. ولذا فمن المتوقع أن يعمل الحلف، وتحديدًا الولايات المتحدة الأميركية، على التوسط بين البلدين وتخفيف حدة التوتر بينهما قبل أن تتفاقم التطورات.

ولا شك في أن عضوية البلدين في الناتو تشكِّل ضمانة نسبية لعدم تدحرج الأمور بينهما، إن كان على صعيد تأثير الحلف على كلتا الدولتين أو على صعيد صعوبة إيجاد حلفاء ومشاركين لأي من الطرفين في سيناريو الحرب. وبالنسبة لتركيا، قد يكون أي تصعيد مع اليونان سببًا مباشرًا لإجهاض صفقة مقاتلات F-16 مع الولايات المتحدة الأميركية التي تعول عليها لتجديد أسطولها الجوي.

كما أن الوجود العسكري الأميركي على الأراضي اليونانية، وقرب الحدود التركية وفي جزيرة كريت على وجه التحديد، يمكن أن يكون عاملًا مثبطًا لأي صدام عسكري موسع بين البلدين. ولعل الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها البلدان، من جهة، والتكلفة المتوقعة لأي حرب بينهما بشريًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وإستراتيجيًّا، من جهة ثانية، من ضمن كوابح الخيار العسكري.

في الخلاصة، ورغم وجود عدد من العوامل المحلية والإقليمية والدولية التي يمكن لها أن تدفع البلدين نحو الصدام، إلا أن كلفة هذا الخيار (ولاسيما إن تعمق وامتد زمنيًّا) وعضوية البلدين في الناتو والتخوف من دخول أطراف ثالثة على خط الصدام وغيرها من العوامل، تجعل المواجهة العسكرية بين البلدين غير مرجحة.

يمكن إذن فهم التصريحات الحادة وعالية السقف من البلدين باتجاه بعضهما البعض كرسائل للداخل حيث البلدان على مقربة من استحقاقات انتخابية مهمة لكليهما، وكذلك كرسائل قوة باتجاه الطرف الآخر للردع وتقليل احتمالات الصدام أصلًا.

لكن الأجواء المتوترة بين البلدين وحساسية الملفات الخلافية بينهما ومساحات الاحتكاك المحتملة ولاسيما في بحر إيجه تجعل من انتقالهما من مساحة التوتر إلى التصعيد أمرًا محتملًا دائمًا، لاسيما إن كان بشكل غير مقصود/غير مخطط له وإنما نتيجة لتقديرات غير دقيقة أو أخطاء غير مقصودة أو تدحرج لتطورات ميدانية. لكنَّ احتكاكًا من هذا النوع -إن حصل- يبقى من الممكن السيطرة عليه واحتواؤه بسرعة كما حصل في تجارب سابقة، وتبقى الحرب الموسعة بين البلدين احتمالًا غير مرجح في المدى المنظور ولا تقوم عليه قرائن حقيقية حاليًّا. بيد أن استمرار الملفات الخلافية قائمة بين البلدين دون أطر ومسارات للحوار والحل يُبقي احتمالات المواجهة بين تركيا واليونان قائمة مستقبلًا، لاسيما تأثرًا بتطورات أخرى مثل الانتخابات أو اكتشاف الغاز في مناطق متنازع عليها أو ما شابه.

بواسطة / سعيد الحاج
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.