سفير إسرائيل السابق في أنقرة: “أردوغان مفاجأة” 

قال السفير الإسرائيلي الأسبق في أنقرة، بنحاس أفيفي، إن وصول رجب طيب أردوغان، إلى سدة الحكم في تركيا عام 2003 كان مفاجأة كاملة لإسرائيل التي توقعت أن يطيح به الجيش التركي سريعا.

وجاء حديث الدبلوماسي الإسرائيلي في سياق تقرير مطول نشرته صحيفة معاريف عن الرئيس التركي، تناولت فيه بدايته السياسية والنهضة الاقتصادية التي شهدتها تركيا على يديه، وعلاقته بإسرائيل، وجماعة فتح الله غولن. وفيما يلي مقتطفات من التقرير.

 

يستهل التقرير بعقد مقارنة بين أردوغان وأتاتورك، حيث يقول الدكتور ألون لي إيل، الذي شغل سابقًا منصب سفير إسرائيل في تركيا: “إذا كان أتاتورك مصلحًا عظيمًا في الاتجاهات التي أحببناها، فإن أردوغان هو مصلح عظيم في الاتجاه المعاكس، لكنه لا يزال مصلحًا غير تركيا رأسا على عقب. اعتبر أشخاص مثلي أن وصوله إلى السلطة ثورة”.

ويوضح لي إيل أن “الهدف الأول لأردوغان كان تغيير تركيا ومحو الكمالية. لقد كانت هناك دائرتان من ملايين الأشخاص الذين ألحق بهم أتاتورك أذىً شديدًا: الأكراد والمتدينون، وأردوغان ينتمي إلى الدائرة الدينية. ولم يكن يُسمح للمتدينيين بالعمل السياسي أو العمل العام”.

 

ووفقًا للسفير الإسرائيلي “ليس أردوغان شخصية ذات بعد واحد، فهو إسلامي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، لكنه من ناحية أخرى خبير اقتصادي وكان عمدة ممتازًا يعمل مع قطاع الأعمال والمجتمع الدولي. أنا مستعد أن أعطيك أرقام هواتف القادة المهمين في الجالية اليهودية في تركيا، وسيخبرونك أنه كان أفضل عمدة مدينة قابلوه”.

ويذكر التقرير أن الأتراك لم ينسوا لأردوغان عمله المثير للإعجاب في إسطنبول، حيث كانت المدينة مثقلة بالديون، فجاء أردوغان ونجح في علاج عجز الميزانية، وجلب استثمارات ضخمة. وفي عام 2002 ألغيت الانتخابات وأدى تغيير القانون إلى إعادة أردوغان إلى اللعبة السياسية، وعلى عكس التوقعات انتخب رئيسًا للوزراء.

 

ويعترف الدبلوماسي السابق بنحاس أفيفي، قائلًا: “كنت سفيرًا في السنوات الأولى من وصول أردوغان إلى السلطة، وكان ذلك بالنسبة لإسرائيل مفاجأة تامة. بعد ثورة أتاتورك كان كلما حاول مرشح ديني الوصول إلى سدة الحكم، عرف الجيش كيف يطيح به بسرعة. لم يتوقع أحد أن ينجح أردوغان، وحين فعل ذلك، وجدنا أنفسنا نبدأ من جديد. لم يكن معروفًا لنا بما يكفي”.

 

ويضيف: “في ذلك الوقت كانت إسرائيل تتابع ما كان يحدث في تركيا وخاصة أردوغان. منذ البداية، كان من الواضح أن رئيس الوزراء المسلم المتدين سيكون أكثر ودية لجيراننا الفلسطينيين، ولكن في عام 2005، عندما قرر آرييل شارون فك الارتباط عن قطاع غزة، جاء الزعيم التركي في زيارة دولة”.

 

يتذكر السفير لي إيل ما حدث خلال تلك الزيارة: “عندما وصل أردوغان قال لنا لسنا أصدقاء. هذا ما كان يقوله خلال لقاءاته مع القيادات السياسية. حضرتُ جانبا من المحادثات. وقد قال الأتراك لنا لم نأت لعقد صداقة معكم، لكن الانسحاب من غزة أمر هائل، وإذا انسحبتم من الضفة الغربية أيضًا، فسيكون ذلك أمرا أكثر روعة”.

 

ويقول السفير أفيفي: “أردوغان في سنوات حكمه الأولى سار على حبل رفيع بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. حاول التوفيق بين رئيس الوزراء إيهود أولمرت، والرئيس السوري. وعندما اختطف جلعاد شاليط، كان أول من أرسل مستشاره السياسي بناء على طلبنا للاجتماع مع حماس وعاد برسالة مفادها أن الجندي المخطوف على قيد الحياة ولن يقتل. لم يكن ذلك نابعا من محبة أو صداقة لنا، ولكن انطلاقا من أننا مهمون. كان لديه نية لإجراء حوار جاد معنا، ثم حدثت سلسلة من الأزمات التي أدت إلى تدهور العلاقات”.

 

ويتذكر أفيفي عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين في آذار/ مارس 2004 ووقعها على أردوغان: “استشاط أردوغان غضبًا من ذلك. كنت على وشك أن أطرد من تركيا وأن أكون شخصًا غير مرغوب فيه. كما تأثر أردوغان بشدة من الطريقة التي تعاملنا بها مع سفينة مرمرة في عام 2010”.

 

وأضاف: “رأى أردوغان في الهجوم على السفينة انتهاكًا للسيادة التركية، وصفعة له. إجلاس السفير “التركي” على مقعد منخفض كان اختراعًا غبيًا. هل تهين مبعوث دولة؟ هذا أمر غير معتاد في أي مكان. كنت سفيرًا وكنت في أوضاع غير سارة أكثر من مرة، لكنهم كانوا يستقبلونني باحترام. يقول الأتراك إنه عندما يسيء شخص ما إليهم، فإنهم على استعداد لأن ينزعوا إحدى عينيهم لكل ينزعوا لهذا الشخص عينيه”.

 

ويعتقد ليل أن الهجوم على غزة في نهاية عام 2008 كان خط الصدع بين أردوغان واسرائيل: “في اليوم الأول من العملية، تلقى أردوغان تقارير تفيد بأننا قصفنا من الجو وكانت هناك خسائر كبيرة ثم انهار كل شيء.”

 

ويذكر التقرير أنه لم يكن يعرف سوى القليل عن القوة الحقيقية للزعيم التركي خلال سنواته الأولى في الحكم. وبعد نحو خمس سنوات من انتخابه، ظهرت شكوك في وسائل الإعلام التركية حول قدراته، حيث لم يتم تسجيل أي تغييرات كبيرة، ولا سيما على الجانب الديني الذي كان يخيف القطاع العلماني”.

 

ويقول السفير لي إيل: “لقد أحدث أردوغان تغييرات كبيرة بعد السيطرة على جميع الأنظمة. إذا قارنته بمحمد مرسي في مصر، تجد أن مرسي حاول في غضون عام أن يفعل ما فعله أردوغان في15 عامًا. ذكاء أردوغان جعله يعرف متى يمكنه التقدم”.

 

وتابع قائلًا: “تولى أردوغان منصب رئيس الوزراء في عام 2003 بعد أزمة اقتصادية ضخمة، واستقر الوضع وجعل تركيا قوة عظمى في البنية التحتية، والتجارة، والعملة”.

 

ويتذكر السفير أفيفي الوضع في تركيا حين تولى أردوغان فيقول: “لن أنسى في البداية عندما وصلت إلى تركيا. في كل مكان كنت أذهب إليه كان هناك بالكاد طريق في اتجاهين. أما اليوم فإنك تجد أينما تذهب طرقا سريعة مذهلة. لقد قام بعمل تنموي جاد. لقد استثمر في الجنوب بين الفرات ودجلة، ولديه مشاريع رائعة”.

 

ويقول السفير لي إيل: “لقد جلب إلى تركيا عقدًا ونصف من الرخاء الاستثنائي. إسطنبول اليوم تبدو أشبه بنيويورك منها إلى أي مدينة أوروبية. لطالما كان أردوغان ممن يقولون بأن الاستقرار يأتي من الرخاء. النجاح الاقتصادي هو مفتاح كل شيء”.

 

لماذا تستمر العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل

 

ووفقا للتقرير فإن النجاح الاقتصادي يجعل أردوغان يغض الطرف عن العلاقة الاقتصادية مع إسرائيل التي لا تزال مستمرة.

 

وتقول الدكتورة غاليا ليندنشتراوس، كبيرة الباحثين في معهد أبحاث الأمن القومي والمتخصصة في الشأن التركي: “نرى أردوغان يظهر في المسائل الاقتصادية براغماتية. تكاليف النقل من تركيا إلى إسرائيل ضئيلة، لذلك من الناحية الاقتصادية نحن نوع من السوق الداخلية للسلع التركية، وحقيقة أن الليرة التركية قد تراجعت خاصة في العامين الأخيرين، تجعل الاستيراد من هناك مفيدًا جدًا للإسرائيليين”.

 

ولكن الوضع على مستوى التعاون الأمني والعسكري تراجع في المقابل منذ تولي أردوغان. ويعتقد السفير لي إيل أن الوضع بين الدولتين لا يزال كارثيًا في هذا المجال أيضًا. “إذا عدنا إلى الوراء كانت هناك صفقات أمنية تشمل الدبابات والطائرات. صفقات ربحت منها إسرائيل كثيرًا… أما اليوم فقد تراجعت المعاملات الاقتصادية. لم يعقد أي اجتماع بين منذ عشر سنوات بين كبار المسؤولين الإسرائيليين والأتراك. لا أعرف ما إذا كان نتنياهو يستطيع إجراء مكالمة هاتفية مع أردوغان. العلاقة منهارة تماما”.

 

من الصعب، كما يذكر التقرير، تصديق إمكانية إجراء مكالمة هاتفية بين نتنياهو وأردوغان، إذا قرأت ما كتبه الاثنان عن بعضهما البعض في السنوات الأخيرة. ففي أعقاب الإعلان الأمريكي عن نقل السفارة في العام الماضي إلى القدس، ومقتل عشرات الفلسطينيين على السياج العازل، شن أردوغان هجومًا عنيفًا على نتنياهو ورد عليه الأخير في تغريدات على تويتر.

 

ويقول السفير أفيفي: “يمكن أن يكون أردوغان الشخص الأكثر لطفًا في العالم حتى تقول شيئًا ما يثير غضبه، فعندئذ ترى الشاب من إسطنبول. ذات مرة حضرت اجتماعا له مع أحد الوزراء الإسرائيليين. وفي أثناء اللقاء قال الوزير الإسرائيلي شيئًا عن الإسلام الإرهابي، وخلال ثانية واحدة رأيت أردوغان يشتعل غضبا. إنه قط شوارع لا يخاف أحدا”.

 

وتقول الدكتورة ليندنشتراوس: “على الرغم من أن المكاسب التي حققها أردوغان من الهجوم على إسرائيل قلت في الداخل التركي، فلا شك أن هناك تأييدًا لهذه المواقف، كما أن هناك دعمًا لانتقادات أردوغان للنفاق الدولي ونفاق اللاعبين الإقليميين. إنه ينتقد ومصر ويقول إنه الوحيد الذي يهتم بالقدس، ولكن هاتين الدولتين تغضان الطرف عندما تنتهك إسرائيل الوضع الراهن”.

 

ولم يفت تقرير الصحيفة الإسرائيلية بالطبع تكرار المزاعم الغربية بشأن قمع أردوغان للمعارضة، واضطهاده للأكراد، والتطرق إلى حملة التطهير التي تشنها السلطات التركية ضد حركة فتح الله غولن الإرهابية، ووصلت إلى حد الادعاء بأن محاولة الانقلاب العسكري الساقط في تموز/ يوليو 2013 كانت من تدبير أردوغان، حيث يرى السفير أفيفي أن أردوغان له دور فيما حدث فيقول:

 

“لقد حل محل قيادة الجيش والقضاء المحكمة، وحتى محاولة الانقلاب استغلها على نحو مدهش. أعتقد أنه عرف عنه منذ اللحظة الأولى، والسؤال الذي يطرحه الأتراك على أنفسهم هو ما إذا كان قد عرف بالانقلاب وقاده أم عرفه وقاومه؟ هل تعتقد أن أول شيء يفعله الانقلابيون هو السيطرة على جسر في إسطنبول؟ إذا كنتم تقومون بانقلاب فاستولوا على الوزرات الحكومية في أنقرة”.

 

وماذا عن تكرار محاولات الانقلاب العسكرية والإطاحة بأردوغان؟ يقول السفير لي إيل في ختام التقرير: “كانوا يقولون في إسرائيل دائما سيكون هناك انقلاب عسكري، وأنا أقول إنه لن يكون ممكنا حدوث انقلاب عسكري. يحظى أردوغان اليوم بالثقة التامة من الجيش والشرطة والمؤسسة التركية. لا يمكن الإطاحة به وسيظل رئيسًا حتى عام 2023 في الذكرى المئوية للجمهورية. قال أردوغان إنها ستكون سنة تقاعد، لكنني لا أعرف إذا كان هذا صحيحًا. وعلى أي حال، بحلول ذلك الوقت سيظل أردوغان محصنًا من الانقلابات”.

.

المصدر/ turkpress

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.