دبلوماسية المساعدات الطبية تعزّز دور تركيا داخل “الناتو”

مع تحوّل فيروس كورونا «كوفيد-19» إلى وباء، وانتشاره في العديد من دول حلف شمال الأطلسي، شدّد الأمين العام للحلف ستولتينبيرج على ضرورة مواجهة الفيروس، مع الحرص على عدم تحوّل الأزمة الإنسانية التي تعصف ببعض دوله إلى أزمة أمنية. ستولتينبيرج لفت إلى أن الأزمة تُظهر ضرورة أن يتمتع أعضاء الحلف بمرونة عالية تجعلهم قادرين على الاستجابة الطارئة لمثل هذا الوضع، والاعتماد كذلك على شركائهم لتأمين المعدّات الطبية اللازمة

هذا الموقف يأتي في ظل تزايد الحديث عن استغلال كل من روسيا والصين للأزمة، من أجل تحسين صورتهما وزيادة نفوذهما في أوروبا بشكل يؤدي إلى زعزعة تماسك الحلف. تحرّك موسكو وبكين اتخذ أشكالاً متعددة، بدءاً بالبروباجندا والمعلومات المضلّلة، وليس انتهاءً بإرسال معدّات طبية وكوادر وحدات عسكرية أحياناً، كما في حالة الوحدة البيولوجية الروسية التي تمّ إرسالها للتمركز في ميلان.

لقد أظهرت الأزمة أن هناك فراغاً، وحالة من عدم الاستعداد للتطورات المفاجئة داخل الحلف، لا سيما مع تخلّي الولايات المتحدة عن دورها الريادي التقليدي، وانكفاء باقي الأعضاء على أنفسهم بمعزل عن التضامن الجماعي. صحيح أن الأزمة كانت مفاجئة وذات طابع صحي، وهو ما قد يجعلها ثانوية بالنسبة إلى الحلف ذي الطابع الأمني، لكن من الواضح جداً أنه من الممكن لأزمة صحية أن تترك تداعيات اقتصادية وأمنية لا يُستهان بها.

ما إن تدارك أعضاء الحلف الوضع، حتى شرعت أجهزته في العمل بشكل أفضل للتنسيق بين أعضاء الحلف الثلاثين، وشاركت قوات من الحلف في عمليات دعم القطاعات الصحية في العديد من البلدان، وتم نقل أجهزة طبية، ومعدات وقائية، ونقل مصابين من خلال البنية اللوجستية للحلف، لا سيما الطائرات. لكن الدور التركي على وجه الخصوص بدا بارزاً جداً.

عندما بدأ الفيروس بالانتشار في العديد من دول الحلف، لم يكن الكثير منها مستعداً من الناحية الصحية لاستقبال أعداد كبيرة من المصابين في المستشفيات، أو لتوفير المعدّات اللازمة للوقاية من الفيروس، أو حتى تلك المخصّصة لحالات العناية المركّزة. بخلاف هذه الدول، تركيا كانت إلى حدّ ما من الدول التي تتمتّع بأفضلية، فيما يتعلق بمخزون الأدوية والمعدات اللازمة للوقاية، ولأنّها لم تتّخذ إجراءات راديكالية في مواجهة الفيروس، فقد سمح لها ذلك أيضاً بأن تبقي عجلة الاقتصاد تدور بشكل جزئي. استغلت الحكومة التركية هذه الوضعية لمساعدة الدول المحتاجة، أو التي يعتريها نقص في المعدّات اللازمة، وقامت بتدشين حملة مساعدات طبية دولية. سمح القرار لأنقرة بأن تلعب دوراً قيادياً وريادياً في مكافحة الوباء على المستوى الدولي، وأن تحتل المرتبة الثالثة عالمياً في المساعدات الطبية.

قامت تركيا بإرسال مساعدات إلى ما يزيد عن ٥٠ دولة. اخترقت المبادرة التركية أيضاً السياق العام الذي كان قائماً لناحية استغلال الصين وروسيا للجائحة، فالأعضاء في حلف شمال الأطلسي أَولى بمساعدة بعضهم البعض عند الضرورة، ولذلك فقد أرسلت تركيا أطناناً من المساعدات إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، وقد لاقت حملتها دعماً وثناءً من قبل الحلف، والمسؤولين في هذه الدول.

خلاصة القول أن «كوفيد-19» وفّر لتركيا الفرصة في أن تلعب دوراً قيادياً، وتظهر تضامنها مع باقي أعضاء الحلف، الأمر الذي من شأنه أن يعزّز مكانة أنقرة داخل الحلف، في وقت كان فيه الكثير من المتطرفين في الغرب يطالبون بمعاقبة أنقرة، وإخراجها من الحلف بدعوى أنها ليست حليفة، ولا تمثّل قيم الحلف على حد زعمهم.

.

 بواسطة / علي حسين باكير  
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.