أنقرة بين واشنطن وموسكو

شهدت علاقات تركيا مع كل من الولايات المتحدة وروسيا، صعوداً ونزولاً في الآونة الأخيرة، في ظل الأحداث والتطورات الساخنة التي تلقي بظلالها على دول المنطقة كافة، ومما لا شك فيه أن مواقف واشنطن وموسكو من الملفات المتعلقة بمصالح تركيا العليا وأمنها القومي، هي التي أدت إلى هذه التقلبات في علاقات أنقرة مع البلدين.

العلاقات التركية الروسية تدهورت بعد إسقاط الجيش التركي مقاتلة روسية اخترقت الأجواء التركية في 24 نوفمبر 2015، إلا أنها بدأت تتحسن بوتيرة سريعة بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي قام بها ضباط موالون لجماعة كولن في 15 يوليو 2016، وشاركت أنقرة وموسكو في محادثات أستانا، كما وقعتا اتفاق سوتشي بشأن محافظة إدلب، وهناك مشاريع كبيرة تربط مصالح البلدين، مثل إنشاء محطة نووية لإنتاج الطاقة في تركيا، ونقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، وبالإضافة إلى ذلك، قامت تركيا بشراء منظومة أس-400 الصاروخية من روسيا، على الرغم من معارضة الولايات المتحدة لهذه الصفقة.

العلاقات التركية الأميركية هي الأخرى تدهورت بسبب دعم واشنطن للمنظمات الإرهابية التي تهدد أمن تركيا واستقرارها ووحدة ترابها، مثل حزب العمال الكردستاني والكيان الموازي، التنظيم السري لجماعة كولن، واشتدت حدة التوتر بين البلدين بسبب التهديدات التي وجهتها واشنطن إلى أنقرة، بغرض دفعها إلى التراجع عن شراء المنظومة الروسية، وإصرار تركيا على إتمام هذه الصفقة.

علاقات تركيا مع روسيا تشهد هذه الأيام أزمة جديدة بسبب خلاف البلدين في ملف محافظة إدلب، واستهداف قوات النظام السوري المدعومة من قبل روسيا لنقاط المراقبة التركية، وفي المقابل، تصدر من مسؤولين أميركيين تصريحات تعبّر عن تضامن الولايات المتحدة مع تركيا في إدلب ضد روسيا والنظام السوري، وفي ظل التعزيزات العسكرية الضخمة التي أرسلها الجيش التركي إلى منطقة خفض التصعيد بشمال غربي سوريا، يناقش المحللون الأتراك حقيقة التودد الأميركي إلى تركيا، ومستقبل العلاقات التركية الروسية.

السفارة الأميركية بأنقرة نشرت الأربعاء الماضي، في تغريدة تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي قال فيها، إن بلاده تقف إلى جانب تركيا حليفتها في حلف الناتو، وردت السفارة الروسية بأنقرة على هذه التغريدة بأخرى، وأرفقت معها صورتين، الأولى لتصريحات بومبيو، والثانية لمعلومات أعدتها وكالة «الأناضول» للأنباء حول الدعم العسكري الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى وحدات حماية الشعب الكردي التابعة لحزب العمال الكردستاني، وخاطبت السفارة الروسية الأتراك قائلة: «نترك التقدير إليكم»، في إشارة إلى ازدواجية معايير الولايات المتحدة.

الروس حاولوا من خلال هذه التغريدة أن يحرضوا الأتراك ضد الولايات المتحدة، إلا أن السحر انقلب على الساحر، لتنهال عليها تعليقات من الناشطين الأتراك، تذكِّر السفارة الروسية بدعم موسكو لوحدات حماية الشعب الكردي، وافتتاح مكتب تمثيل لحزب العمال الكردستاني في العاصمة الروسية، والتصريحات التي عبّر فيها المسؤولون الروس عن دعمهم للإرهابيين الانفصاليين.

تركيا تدرك أبعاد تحركات كل من الولايات المتحدة وروسيا في المنطقة، وحقيقة أهداف تلك التحركات، وليست مضطرة للانضمام إلى المحور الروسي أو المحور الأميركي، بل الأوضاع الراهنة تقتضي أن تتعاون مع أحد البلدين في ملفات، والآخر في ملفات أخرى، في إطار المصالح المشتركة.

.

 بواسطة/إسماعيل ياشا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.