حسابات الانتخابات المبكرة في تركيا

لا يكاد يمضي يوم في تركيا دون أن تكرر المعارضة مطالباتها الحكومة بانتخابات مبكرة. بدأ الأمر في إرهاصاته الأولى بعد الانتخابات البلدية في 2019، التي تقدمت فيها المعارضة نسبيا (رغم فوز العدالة والتنمية)، وكسبت بلديات مهمة وذات رمزية عالية مثل أنقرة وإسطنبول، لكن الوتيرة ارتفعت بشكل ملحوظ في ظل التطورات الاقتصادية الأخيرة في البلاد.

فهل تركيا ذاهبة إلى انتخابات مبكرة، قريبا جدا أو على الأقل قبل موعدها المقرر منتصف 2023؟

ثمة بُعدان للأمر، قانوني وسياسي. قانونيا ودستوريا، يملك الرئيس حق الدعوة لانتخابات مبكرة بشكل مباشر، كما يحق لمجلس الأمة الكبير (البرلمان) الدعوة لها بموافقة 360 من أصل 600 نائب فيه (نسبة 60 في المائة). وبالنظر إلى خريطة الأحزاب داخل البرلمان، يمكن القول بأن أحدا من الأحزاب التركية بما فيها الحزب الحاكم، لا يملك عددا كافيا من النواب لذلك، بل لا يملك لا تحالف الجمهور الحاكم (يملك 334 نائبا) ولا تحالف الشعب المعارض (171 نائبا)، حتى ولو انضم له حزب الشعوب الديمقراطي (يملك 56 نائبا) العدد الكافي من النواب. أكثر من ذلك، فلو افترضنا أن حزب الحركة القومية غيّر موقفه وانضم للموافقين على تبكير الانتخابات، سيبقى ذلك أقل قليلا من العدد المطلوب.

إمكانية تقرير البرلمان تبكير الانتخابات يمر عبر فرضيتين؛ الأولى أن يوافق العدالة والتنمية على تبكير الانتخابات ويوافق مع الباقين، والثاني أن ينضم حليفه للمعارضة ويستقيل منه (أي من العدالة والتنمية) عدد كبير من النواب وينضموا للمعارضة لترجيح كفتها، وكلا الاحتمالين ضعيف جداً.

بعبارة أخرى، فإن إمكانية تقرير البرلمان تبكير الانتخابات يمر عبر فرضيتين؛ الأولى أن يوافق العدالة والتنمية على تبكير الانتخابات ويوافق مع الباقين، والثاني أن ينضم حليفه للمعارضة ويستقيل منه (أي من العدالة والتنمية) عدد كبير من النواب وينضموا للمعارضة لترجيح كفتها، وكلا الاحتمالين ضعيف جدا جدا، وتكاد فرصته تكون معدومة وفق الوضع الراهن كما أسلفنا.

وعليه، إذا كانت المعارضة لا تملك أداة دستورية لفرض الانتخابات المبكرة، فلماذا كل هذا التركيز والتكرار والضغط بهذا الاتجاه؟

تدرك المعارضة أن المسار القانوني الوحيد عمليا لتبكير الانتخابات هو قرار الرئيس أردوغان نفسه، ولذلك تزيد من مستوى الضغوط عليه؛ ما يعني أن الأمر انتقل من البُعد القانوني للسياسي، ولذلك أيضا فهي تحاول الضغط على الحركة القومية لتغيير موقفه، من باب إظهار أردوغان/العدالة والتنمية وحيدا في مواجهة الكل السياسي في البلاد، وإجباره -سياسيا- على اتخاذ هذا القرار. لكن ذلك يبدو أمرا بعيد المنال.

ثمة ثلاثة أسباب مهمة لرفض أردوغان وحزب العدالة والتنمية تبكير الانتخابات؛ أولها أن موافقته تعني إقراره بأن هناك أزمات كبيرة غير قابلة للحل أو هو فشل في حلها في البلاد، وهذه وحدها دعاية سلبية بحقه، بينما هو يرى أن تراجع قيمة الليرة والتحديات الاقتصادية الأخرى مؤقتة وستمر وتؤول لما هو أفضل.

المعارضة تصر على طلب تبكير الانتخابات رغم أنها ليست جاهزة لها بعد؛ فتحالف الشعب المعارض لم يستطع أن يضم لصفوفه أحزابا جديدة.

والثاني أنه كأي حزب سياسي، يريد خوض الانتخابات في الظروف الأمثل بالنسبة له، والظرف الراهن على عكس ذلك تماما. والثالث أن قرار تبكير الانتخابات يشمل الرئاسية والتشريعية، بمعنى أن قرار أردوغان سيسري عليه هو شخصيا، وسيخسر السنة والنصف المتبقية من فترة رئاسته الحالية. كما أن العدالة والتنمية ينافح بأن النظام الرئاسي اعتمد أصلا لكي يَحُولَ دون الحكومات غير المستقرة والانتخابات المبكرة.

الأهم مما سبق، أن المعارضة تصر على طلب تبكير الانتخابات رغم أنها ليست جاهزة لها بعد؛ فتحالف الشعب المعارض لم يستطع أن يضم لصفوفه أحزابا جديدة، بل يبدو أن حزب السعادة الذي انضم له في الانتخابات البلدية السابقة لم يحسم أمره بعد، بينما الحزب الديمقراطي ذو تأثير ضعيف جدا، ما يجعل التحالف مقتصرا على حزبَيْ الشعب الجمهوري والجيد. ومن جهة ثانية، لا يبدو أنه قد توافق داخليا على مرشح توافقي ليخوض الانتخابات الرئاسية – وهي الأهم – في مواجهة أردوغان، مرشح تحالف الجمهور، بل لا يبدو أن التحالف قد يوافق على المعايير الرئيسة التي ينبغي أن تتوفر في هذا المرشح المفترض.

أكثر من ذلك، فخوض المعارضة الانتخابات الرئاسية بمرشح توافقي ليس أمرا محسوما ومفروغا منه حتى اللحظة، بل قد تضطر لخوضها بأكثر من مرشح، وهو أمر قد يضعف فرصها بشكل ملحوظ، حيث قال رئيس حزب السعادة تمل كاراموللا أوغلو مؤخرا، بأن تحديد “المرشح أو المرشَّحِين” يأتي بعد الإعلان عن موعد الانتخابات وبدء مدة الحملات الانتخابية.

تصريح كارا موللا أوغلو كان ردا على كلام رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو بأنه “يتشرف بأن يكون مرشحا رئاسياً للمعارضة”، في حال توافق تحالف المعارضة على اسمه. وهو كلام أتى بدوره بعد يوم واحد من تصريح لرئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو؛ بأنه لن يكون مرشحا رئاسيا، وإنما سيكمل عمله في رئاسة البلدية، في ما بدا رضوخا لضغط حزبه عليه بعد ترويج رئيس الحزب الجيد ميرال أكشنار اسمه كمرشح توافقي أكثر من مرة.

هذا الحدث، أي طرح اسم محدد من أحد الأحزاب ورفضه من حزب آخر ثم طرح شخصية أخرى، يظهر جانبا من معضلة التحالف المعارض بخصوص الانتخابات الرئاسية؛ فهذا التحالف ليس نسيجا متناغما ولا يعبر عن خلفية واحدة، بل يتشكل من عدة أطياف وخلفيات (علمانية وقومية ومحافظة)، ويدعمه بشكل غير رسمي ومعلن حزب الشعوب الديمقراطي (القومي الكردي). ومن ثم فإيجاد شخصية مقبولة من جميع هذه الأطياف معضلة كبيرة بحد ذاتها، إذ إن قرب تلك الشخصية من تيار معين سيعني قلة قبولها من أنصار حزب آخر، تماما مثلما حصل مع فكرة ترشيح الرئيس الأسبق عبد الله غل كمرشح توافقي للمعارضة أمام أردوغان في 2018، حين رفضته القاعدة الشعبية لحزب الشعب الجمهوري وعدد من قياداته.

تحاول المعارضة، الشعب الجمهوري والجيد تحديدا، إعطاء هذا الانطباع، إلا أن استطلاعات الرأي لا تؤيدها في ذلك؛ ذلك أن تراجع شعبية وتأييد العدالة والتنمية لا يتحول لمصلحتها، وإنما يصب أغلبه في خانة الأحزاب الجديدة التي خرجت من عباءة العدالة والتنمية.

كما أن بعض الأحزاب قد تفضل أن يكون لها مرشحها الخاص لأسباب ذاتية وحزبية، مثلما فعل الحزب الجيد في الانتخابات الأخيرة، مستفيدا من وجود مرشح رئاسي له للترويج لنفسه، ومثلما قد يفعل حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات المقبلة؛ لأنه يواجه حاليا قضية حل وحظر أمام المحكمة الدستورية.

بناء على كل ما سبق أقول؛ إن المعارضة تشدد على مطلب الانتخابات المبكرة ليس لأنها جاهزة لها ولا لأنها متيقنة من الفوز بها، وإنما لصناعة صورة وانطباع عن نفسها بأن شعبيتها في تقدم، وأن البلاد في أزمة، وأنها – أي المعارضة – الحل الأكيد لها، مستفيدة من نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة ومتسلّحة بتدهور قيمة الليرة مؤخرا.

تحاول المعارضة، الشعب الجمهوري والجيد تحديدا، إعطاء هذا الانطباع، إلا أن استطلاعات الرأي لا تؤيدها في ذلك؛ ذلك أن تراجع شعبية وتأييد العدالة والتنمية لا يتحول لمصلحتها، وإنما يصب أغلبه في خانة الأحزاب الجديدة التي خرجت من عباءة العدالة والتنمية، وهو أمر منطقي ومتوقع، إذ إن “سياحة الأصوات” أو انتقال التأييد عادة يكون للأقرب سياسيا وفكريا وأيديولوجيا، أكثر بكثير مما يكون للخصم أو المختلف.

ليس من المرجح أن يذهب أردوغان والعدالة والتنمية حاليا لقرار تبكير الانتخابات، وهو الذي يملك هذا القرار كما سلف تفصيله، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتراجعة وسعيه و/أو أمله في تحسنها بعد أشهر من الآن وفق التصريحات الرسمية.

ختاما، تبكير الانتخابات قرار سياسي بامتياز، ويتخذه أي حزب حين يكون هو في الوضع الأمثل، أو يكون خصمه/ خصومه في الوضع الأسوأ، فيبكّر الانتخابات ليعظّم مكاسبه، أو يكون المستقبل وفق توقعاته أسوأ من الحاضر، فيبكرها لتقليل تراجعه أو خسائره.

ولذلك، فليس من المرجح أن يذهب أردوغان والعدالة والتنمية حاليا لقرار تبكير الانتخابات، وهو الذي يملك هذا القرار كما سلف تفصيله، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتراجعة وسعيه و/أو أمله في تحسنها بعد أشهر من الآن وفق التصريحات الرسمية.
فإذا ما تحسنت الأوضاع الاقتصادية نسبيا، وبدأت الخطة الحكومية تؤتي أكلها ويلمسها الناخب، أو تدهورت الأمور تماما وخرجت عن السيطرة، قد نكون أمام قرار من هذا القبيل بعد أشهر، وإلا فيبدو أن الانتخابات ستبقى في موعدها في حزيران/ يونيو 2023، إلا إن حصلت تغيرات جذرية وغير متوقعة في منظومة التحالفات ومواقف الأحزاب.

 
حسابات الانتخابات المبكرة في تركيابواسطة / سعيد الحاج
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “تركا الآن”
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.