“الفاتح”.. أول جامع سلطاني بإسطنبول بعد الفتح

في قلب شبه الجزيرة التاريخية بمدينة إسطنبول، يقع جامع الفاتح، ويعتبر أول مسجد سلطاني كبير يُشيَّد بعد فتح المدينة على يد السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1453.

وشُيد الجامع بين عامي 1463 و1470 بأمر من السلطان محمد الثاني (الفاتح)، ليجسّد انطلاق مرحلة جديدة في تاريخ المدينة ومعالمها الحضارية.

ولعب جامع الفاتح دورا في ترسيخ معالم الحضارة التركية الإسلامية في المدينة، ليس فقط بوصفه صرحًا معماريًا، بل باعتباره مركزًا علميًا وثقافيًا شكّل حجر الأساس في تنظيم الحياة الدينية والتعليمية بعد الفتح.

أُقيم الجامع على أنقاض كنيسة الحواريين الإثني عشر البيزنطية، التي كانت تحظى بمكانة خاصة لدى البيزنطيين، في خطوة رمزية عكست التحول الحضاري الذي شهدته إسطنبول.

ومع تشييد جامع الفاتح تغيّر أفق المدينة المعماري، وبدأت ملامح الهوية العثمانية تتشكل في أبرز مواقعها.

** إعادة التشييد

صمّم الجامع في نسخته الأولى، المعماري عتيق سنان، أحد مهندسي العصر المبكر للدولة العثمانية. غير أن البناء تعرّض لأضرار جسيمة إثر زلزال عام 1509، المعروف تاريخيًا باسم “القيامة الصغرى”، ثم انهارت قبته الرئيسية بالكامل في زلزال وقع عام 1766.

وخلال عهد السلطان مصطفى الثالث، أُعيد بناء الجامع في الموقع نفسه وفق مخطط جديد، وافتُتح مجددًا للعبادة عام 1771. ويحمل البناء الحالي سمات العمارة العثمانية الكلاسيكية، مع تأثيرات واضحة للأسلوب الباروكي الذي انتشر في القرن الثامن عشر.

وشُيّد الجامع ضمن مجمّع معماري متكامل اتسم بتصميم متماثل، حيث يتوسطه المسجد وتحيط به مدارس، ودار للضيافة، ودار للشفاء، وسوق، وحمّام، ما جعله واحدًا من أهم المراكز الدينية والثقافية في المدينة.

** مركز للتعليم

وفي حديث مع الأناضول يقول الأكاديمي ومؤرخ الفن التركي ياسين سايغلي، إن جامع الفاتح كان أول مسجد سلطاني وأول مجمّع تعليمي أُسس بعد فتح إسطنبول.

ويشير إلى أن السلطان محمد الفاتح جعل من إعادة إعمار إسطنبول سياسة مركزية، فأمر بتشييد مجمعات عمرانية متعددة، لكنه اختار هذا الموقع تحديدًا ليبني فيه أكبرها وأهمها.

ويوضح سايغلي أن المدارس التي أُنشئت ضمن المجمّع لعبت دورًا محوريًا في تأهيل العلماء والفقهاء وكبار الموظفين الذين خدموا الدولة العثمانية لقرون طويلة، مشيرًا إلى وجود ثماني مدارس إضافية حولها، ما أسهم في ترسيخ التعليم العالي بصورة مؤسسية.

ويذكر أن مفهوم القبة المركزية في المساجد العثمانية، الذي تجلّى لاحقًا في مساجد السليمانية، وشهزاده، والسلطان أحمد، بدأ فعليًا مع جامع الفاتح، ما يجعله محطة تأسيسية في تطور العمارة الدينية العثمانية.

** دور مستمر

وإلى جانب قيمته التاريخية والعلمية، لا يزال جامع الفاتح يؤدي دوره بوصفه فضاءً حيًا للعبادة والحياة الاجتماعية.

فالمكان يضم أضرحة عدة، منها ضريح السلطان محمد الفاتح، إضافة إلى مقبرة تاريخية تضم شخصيات بارزة من العهدين العثماني والجمهوري.

ويشير سايغلي إلى أن أوقاف الجامع شكّلت ركيزة مالية مهمة لضمان استمرارية خدماته، موضحًا أن ما يُعرف اليوم بالسوق المسقوف (البازار الكبير) كان في الأصل جزءًا من منشآت وقفية أسسها الفاتح لدعم موارد المجمع.

وخلال شهر رمضان، يشهد الجامع إقبالًا كثيفًا، إذ يمتلئ بالمصلين في أوقات الإفطار والسحور والتراويح، في مشهد يعكس استمرارية دوره الديني والاجتماعي عبر القرون.

وفي هذا الإطار، يقول سايغلي إن جامع الفاتح لا يزال يحتفظ بوظيفته التي عرفها في العهد العثماني، كمكان يجتمع فيه الناس للصلاة والإفطار وإحياء ليالي رمضان، ويصفه بأنه “تراث ثقافي حي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.