فورين بوليسي: لهذا على أمريكا ألا تخشى من تقارب تركيا وروسيا!!

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للأستاذ الزائر في جامعة أكسفورد والزميل في المعهد الألماني الدولي والشؤون الأمنية والزميل غير المقيم في معهد بروكنغز في الدوحة، غالب دالاي، يتناول فيه العلاقات التركية الروسية، مشيرا إلى أنه ليس هناك ما يدعو إلى خوف الولايات المتحدة من شراكة روسيا وتركيا.

 

ويقول دالاي في مقالهإنه “في الوقت الذي تتخاصم فيه كل من تركيا وأمريكا بسبب شراء تركيا لمنظومة أس-400 للدفاع الجوي من روسيا، والتعاون مع موسكو في سوريا، فإن من العدل أن نسأل إن كانت تركيا والغرب في طريقهما لانفصال حقيقي، صحيح أن تركيا تنجرف بعيدا عن الغرب، لكن لا يزال من المبكر القول إنها جاهزة للانضمام إلى روسيا، خاصة في الشرق الأوسط”.

 

ويشير الكاتب إلى أن “تركيا تقوم بإعادة ضبط سياستها الخارجية والإقليمية في وقت تمر فيه منطقة الشرق الأوسط بتحول كبير، ويبدو أن روسيا تفعل الشيء ذاته، ولأن كلتاهما تبحثان عن نفوذ أوسع في المنطقة، فإن علاقتهما ستكون أحيانا تعاونية وأحيانا تنافسية”.

 

ويقول دالاي: “فمثلا، كانت موسكو وأنقرة على شفير مواجهة عسكرية في أواخر عام 2015، بعد أن أسقطت تركيا طائرة عسكرية روسية، وبعد أقل من سنة من ذلك أصلحوا العلاقات وقرروا التعاون في سوريا ومجموعة أخرى من القضايا، بما في ذلك الدفاع والطاقة الذرية، وفي الوقت الذي تتحول فيه العلاقة بين تركيا وروسيا فإنه يجب على الغرب أن يضع في اعتباره أن الطموحات الجيوسياسية للبلدين متضاربة إلى حد كبير، وأن التعاون اليوم لا يعني التعاون غدا”.

 

ويرى الكاتب أنه “أكثر من أي قناعات أيديولوجية مشتركة، فإن ما يفسد العلاقة مع أمريكا هو الجيوسياسة الشرق أوسطية، وطبيعة القيادة في أنقرة وموسكو، التي أدت دورا مركزيا في تشكيل العلاقة التركية الروسية”.

 

ويقول دالاي: “أولا، بالنظر إلى التدخل العسكري الروسي في الحرب الأهلية السورية عام 2015، وإصرارها على إبقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد في السلطة، فإنه كان لا بد من وجود شكل من أشكال التعامل بين روسيا وتركيا، الجارة لسوريا، وتأرجح هذا التعامل بين استعداد للقتال والتعاون مع مرور الوقت، لكن يبدو أن الطرفين استقرا على التعاون في النصف الثاني من عام 2016، فمع حلول ذلك الوقت كانت روسيا تسيطر على الشمال تقريبا غرب الفرات، ولذلك كان على تركيا أن تعتمد على رضا الروس للقيام بعملياتها العسكرية على حدودها، ابتداء ضد تنظيم الدولة، ثم ضد القوات الكردية السورية”.

 

ويضيف الكاتب: “ثانيا، فإن صحة العلاقة التركية مع أمريكا لها أثر مباشر على صداقة تركيا مع روسيا، وعندما تكون أنقرة وواشنطن قريبتين من بعضهما فإن شهية تركيا لاستكشاف العلاقات مع روسيا بصفتها تحوطا جيوسياسيا تنخفض، لكن عندما تكون تركيا محبطة من الغرب -كما هي الآن بسبب دعم أمريكا للقوات الكردية في سوريا- فإنها تجد في روسيا أذنا متعاطفة”.

 

ويتابع دالاي قائلا: “أخيرا، هناك جانب شخصي للعلاقات التركية الروسية، فرئيسا البلدين يؤديان دورا حاسما ومبالغا فيه في السياسة الخارجية، وكونا علاقة خاصة مع بعضهما، ومع أن التوتر في علاقات البلدين مع الغرب قديمة، إلا أن كلا الزعيمين يميلان لتضخيمها، ومن المؤكد أن الطبيعة الشخصية للعلاقة ستجعل هذه العلاقة هشة؛ لأن العلاقات المؤسساتية لا تزال قليلة بين البلدين لدعم علاقة وليدة، ومع ذلك يتوقع أن يبقى الزعيمان في السلطة في الوقت الحالي، ويتوقع أن يبقى كلاهما مرتابين تجاه الغرب”.

 

ويجد الكاتب أنه “عند الأخذ في عين الاعتبار العوامل البنيوية في العلاقات المتدهورة بين كل من روسيا وتركيا مع الغرب، فإنه من الصعب تخيل أن أيا من البلدين سيغير اتجاهه بسرعة، وحتى بعد أن يذهب كل من بوتين وأردوغان، فالأضرار في العلاقات بين تركيا والغرب ستكون قد تمت بالفعل، وإن قامت تركيا بتنفيذ تركيب منظومة أس 400، وقامت أمريكا بفرض عقوبات قوية على تركيا في المقابل، فإن تركيا قد تصبح أكثر اعتمادا على روسيا في الشأن الدفاعي”.

 

ويلفت دالاي إلى أنه “لا تزال هناك ثغرات بين روسيا وتركيا سيكون من الصعب جسرها، وهذه ستحد من تعاون البلدين، خاصة في الشرق الأوسط”.

 

ويجمل الباحث الفجوات بين البلدين التي يصعب جسرها على النحو الآتي:

 

أولا: منذ أيام الإمبراطورية العثمانية، سعت تركيا لحرمان روسيا من أي وجود ذي اعتبار إلى جنوب أو شرق البحر الأبيض المتوسط، لكن هذا بالضبط ما تنشط فيه روسيا الآن، من سوريا إلى ليبيا ومصر والجزائر، ومع تنامي التأثير الروسي، فإن مجال تركيا في المناورة في المنطقة سيتقلص، وتعايش تركيا حديثا مع روسيا أمر غريب من المنظور الجيوسياسي، ولا يتوقع أن يستمر إلى الأبد.

 

ثانيا: إن النتائج المفضلة للبلدين في الشرق الأوسط متناقضة، من نظام الأسد في سوريا إلى نظام عبد الفتاح السيسي في مصر، ومن خليفة حفتر في ليبيا إلى منظمة التحرير الفلسطينية في فلسطين، حيث أظهرت روسيا أنها تميل إلى القوى العلمانية، وفي المقابل فإن تركيا التي تعارض الأسد، شجبت انقلاب السيسي على حكومة الرئيس المصري السابق محمد مرسي المرتبطة بالإخوان المسلمين، وأيدت حركة حماس، فمن الواضح أنها تؤيد القوى الإسلامية، ابتداء من الاختلاف على مستقبل محافظة إدلب في سوريا، ويتوقع أن تكون هناك الكثير من القضايا الشائكة جيوسياسيا، التي يتوقع أن تبعد البلدين عن بعضهما.

 

ثالثا: إن المصالح الاقتصادية لكل من تركيا وروسيا لا تلتقيان، فروسيا كونها بلدا مصدرا للطاقة تريد إبقاء أسعار الطاقة عالية، وهذا ما يجعلها تطور علاقات وثيقة بشكل سريع مع أعضاء أوبيك من الدول العربية، خاصة السعودية، التي كانت زيارة ملكها الملك سلمان إلى روسيا في أواخر عام 2017 أول زيارة لروسيا لملك سعودي في الحكم، ومن خلال التنسيق الوثيق بشأن الأسعار ومستويات الإنتاج، فإن السعودية وروسيا تهدفان إلى إبقاء أسعار النفط مرتفعة.

 

ويقول دالاي: “أما تركيا فهي مستورد كبير للطاقة، وتفضل أسعارا منخفضة، خاصة مع الأخذ في عين الاعتبار العجز الحالي في الميزانية، الذي هو جزئيا بسبب أسعار الطاقة المتزايدة”.

 

ويرى الكاتب أنه “بالنظر إلى مصالحهما المتضاربة بشكل كبير في الشرق الأوسط، فإن التعاون بين روسيا وتركيا يواجه محدودية حقيقية، ومع أنه من المتوقع أن يستمر البلدان في الشراكة -وقد يقتربان أكثر كلما دفعت أمريكا تركيا أكثر- فإنه ستكون هناك فرص كثيرة للغرب ليستغل خلافهماـ وأسهلها قد يكون الاختلاف على مستقبل محافظة إدلب في سوريا، فكل من تركيا والغرب لهما مصلحة في منع هجوم روسي واسع على المحافظة، فمثل تلك العملية قد تتسبب بكارثة إنسانية، وتدفع بأعداد كبيرة من اللاجئين نحو الحدود التركية”.

 

ويختم دالاي مقاله بالقول: “دون شك، فإن العلاقات التركية الغربية مرت بتغير كبير في السنوات الأخيرة، ولن يعود الوضع القديم، ولن تنقطع العلاقات، وتحديدا ليس بسبب علاقات تركيا مع روسيا، التي هي علاقات غير قوية على أفضل تقدير”.

.

المصدر/عربي21