هل القضية تكمن فقط في انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو؟

0

بمجرد أن ظهرت تطلعات السويد وفنلندا للانضمام إلى عضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالتزامن مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، تحولت الأنظار إلى تركيا. ويعد طلب الانضمام الذي تقدمت به كل من السويد وفنلندا ذا أهمية بالغة بالنسبة لتركيا، فالسويد حاضنة للمنظمات الإرهابية المناهضة لتركيا منذ سنوات، وفنلندا معروفة بموقفها المناهض لتركيا في جميع المنابر الدولية .

لم تظل تركيا مترددة على الإطلاق بل أظهرت موقفها منذ اليوم الأول. وأعلن الرئيس أردوغان أن بلاده ستستخدم حق النقض ضد طلب عضوية كلا البلدين للانضمام إلى حلف الناتو. وتم رفض طلب الانضمام الأول المقدم بعد هذا البيان على الفور. وتستمر المباحثات بين تركيا والدول الراغبة في الانضمام لعضوية الناتو (فلندا والسويد). وكانت الدول الأعضاء في الناتو مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وألمانيا، والدول الراغبة في في انضمام هاتين الدولتين إلى الحلف، قد بدأت في التعبير عن تفهمهما لمخاوف تركيا الأمنية وذلك من خلال توجيه رسائل دافئة ومطمئنة إلى تركيا من أجل تحقيق نتيجة في الاتجاه الذي يريدونه.

حسنٌ، هل القضية المطروحة هنا، هي أن السويد أصبحت معقلًا للإرهابيين أم أنها مخاوف تركيا الأمنية؟ لقد دفعت تركيا الثمن قبل أن تصبح عضوًا في حلف الناتو. ولم تكن تركيا عضوًا في الناتو عندما أرسلنا قوات إلى الحرب الكورية، ولم تتمكن من أن تصبح عضوًا في الناتو إلا بعد أن قدمت عشرات الشهداء من جنودها في هذه الحرب.

وبعد قبول انضمام تركيا إلى حلف الناتو، أوفت تركيا بمسؤولياتها دون تقصير من ناحية، واستمرت في دفع الثمن من ناحية أخرى. وعلى الرغم من ذلك، لم تقم أي دولة عضو في الناتو بما يقع على عاتقها من مسؤولية تجاه تركيا كلما احتاجت الأخيرة أي دعم.

من ناحية أخرى، فإن قرار إعادة قبول انضمام اليونان إلى حلف الناتو، والذي أشار إليه الرئيس أردوغان بعبارة “لن نكرر الخطأ نفسه مرة أخرى”، ليس بالخطأ الذي يمكن الاستهانة به؛ فنحن نعلم علم اليقين أن جميع المشاكل في شرق البحر المتوسط اليوم تنبع من هذا القرار.

إن القضايا الأساسية المتمثلة في مشكلة قبرص التي لم تُحل بعد، ومشكلة الجزر، ومشكلة بحر إيجة، وعدم قبول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لمدة نصف قرن، هي نتيجة الخطأ الذي نتج عن السماح لليونان بالانضمام إلى حلف الناتو قبل 42 عامًا.

ولنفترض أن السويد وفنلندا استوفيتا جميع مطالب تركيا، فهل سنقبل بانضمام هذين البلدين إلى حلف الناتو دون تردد؟ تأسس حلف الناتو قبل 73 عامًا، وأصبحت تركيا عضوًا فيه منذ 70 عامًا. وبينما تمتع السويد وفنلندا بالحياد، حافظت الدول الأعضاء في الناتو، وخاصة تركيا، على بقاء هذه المظلة الأمنية من خلال دفع الثمن لسنوات.

والآن، عندما شعر هذان البلدان بالتهديد المحدق بهما، فإنهما يريدان أن يندرجا تحت مظلة حلف الناتو، الذي ليس لهما فيه أي مساهمة، وحتى لو أصبحا عضوين فيه، فلن يكون بمقدورهما تقديم أي مساهمة. ومن الضرورة بمكان التفكير في هذا البعد من القضية.

وتلفت تركيا الانتباه إلى حقيقة أن المنظمات الدولية لم تكن قادرة على أداء واجباتها لفترة طويلة، معربة بكل وضوح عن ضرورة إعادة هيكلة هذه المنظمات، وخاصة الأمم المتحدة.

لا يمكن البت في طلب انضمام السويد وفنلندا إلى عضوية الناتو من خلال النظر في علاقاتهما مع تركيا فحسب؛ إذ إن تركيا، التي تمتلك ثاني أقوى جيش في حلف الناتو، هي من أوائل الأعضاء الذين لهم رأي في القرارات المتعلقة بمستقبل الناتو.

وبينما تكشف الحرب الأوكرانية الروسية عن أهمية حلف الناتو والحاجة الماسة إلى إعادة هيكلته، فمن غير المقبول إجراء مناقشات فقط حول السويد، وفنلندا، وتركيا. وعلى الرغم من أن التعاون بين الدول الأعضاء يبدو أنه يتزايد بسبب الحرب، إلا أنه لم يتم تحقيق أي نتيجة ملموسة.

في الوقت الذي يجب أن يظهر فيه التضامن بشكل أكبر، يتلقى موقف اليونان المتصاعد في بحر إيجة، والبحر المتوسط، وقبرص دعمًا من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. والصورة التي ظهرت خلال الاتصالات الأمريكية مع رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس هي صورة لا يمكن تفسيرها من ناحية عضوية الناتو.

وقد قوبل خطاب ميتسوتاكيس بالتصفيق الحار في الكونغرس الأمريكي، والذي بلغ 37 مرة خلال 40 دقيقة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ماذا قال ميتسوتاكيس في خطابه ليحظى بهذه الحفاوة، وهذا التصفيق الحار الذي بلغ 37 مرة خلال خطابه؟ هل قال إنه سيوقف روسيا؟ أم أنه بعث برسائل أمل من شأنها أن تحل مشاكل المنطقة؟ لا، بل على العكس تمامًا، فقد كان خطابه المعادي لتركيا هو الذي قوبل بتلك الحفاوة البالغة.

هل ستستخدم اليونان، التي التزمت الولايات المتحدة بتزويدها بطائرات مقاتلة من طراز F-35، هذه الطائرات ضد روسيا، أو لصالح حلف الناتو؟ لماذا لم يتم تسليم مقاتلات F-35 إلى تركيا، وتسليمها لليونان، على الرغم من أن تركيا شريك في برنامج مقاتلاتF-35 ، ودفعت مقدمًا ثمن تلك الطائرات المقاتلة للولايات المتحدة؟ هل هناك أي مبرر حقيقي للولايات المتحدة لتدلل اليونان حتى في مثل هذا الوقت العصيب؟

هل أولئك الذين يقولون إنهم يتفهمون مخاوف تركيا الأمنية ويعملون على تبديد هذه المخاوف يفهمون أيضًا موقف اليونان هذا؟ هل تتفهم الولايات المتحدة، التي لا تزال تقدم السلاح إلى المنظمة الإرهابية الماركسية-اللينينية التي تكافحها تركيا منذ 40 عامًا، حقًا مخاوف تركيا الأمنية؟

طلب السويد وفنلندا الانضمام إلى حلف الناتو ليس له أهمية على الإطلاق. ولا يهم أيضًا إذا كان هذان البلدان يتفهمان مخاوف تركيا الأمنية. ولا يهم اتخاذهم موقفًا ضد “تنظيم بي كي كي” الإرهابي، الذي ظلا يدعمانه طوال سنوات.

وبما أننا تطرقنا إلى الحديث عن الناتو، فيجب اتخاذ القرار المناسب من خلال مراجعة كل حسابات الماضي، حتى لا نكرر الخطأ الذي وقع قبل 42 عامًا، تمامًا كما قال الرئيس أردوغان. وبصرف النظر عن عدم الوقوع في نفس الخطأ مرة أخرى، يجب اتخاذ موقف من شأنه أن يتلافى أخطاء الماضي.

وتعتبر العملية العسكرية الخامسة التي سيتم تنفيذها ضد المنظمات الإرهابية في سوريا، فرصة جيدة للغاية لإظهار ما إذا كان حلفاؤنا يتفهمون موقف تركيا.

حسين ليكوغلو بواسطة / حسين ليكوغلو

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.