تركيا.. ما بين الإنجاز والأيديولوجية

0 62

بلدية إزمير التي ينتمي رئيسها طونتش صويار، إلى حزب الشعب الجمهوري، مشغولة بإنجازات أخرى، كنصب تماثيل جديدة في أنحاء المدينة، فيما يتعارك سكان المدينة في الطوابير أمام صهاريج المياه المتنقلة للحصول على جالون أو جالونين من الماء. وهناك مشاكل مشابهة يعاني منها سكان مدينة إسطنبول التي ينتمي رئيس بلديتها، أكرم إمام أوغلو، إلى ذات الحزب. ويطرح فشل الإدارات المحلية التي ينتمي رؤساؤها إلى حزب الشعب الجمهوري، في خدمة المواطنين، أسئلة حول أسباب عدم تخلي الناخبين المقيمين في تلك المدن عن التصويت لهذا الحزب رغم إخفاقه الكبير في خدمتهم.

نتائج الانتخابات السابقة واستطلاعات الرأي تشير إلى أن معظم هؤلاء الناخبين لا يغيرون ميولهم السياسية مهما تذمروا واشتكوا من سوء خدمات البلديات، ما يعني أن هناك عوامل أخرى تحدد لون أصوات الناخبين، على رأسها الأيديولوجية والانتماء القومي والديني والمذهبي.

معظم هؤلاء الناخبين لا يغيرون ميولهم السياسية مهما تذمروا واشتكوا من سوء خدمات البلديات، ما يعني أن هناك عوامل أخرى تحدد لون أصوات الناخبين، على رأسها الأيديولوجية والانتماء القومي والديني والمذهبي

تركيا تتجه إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية في غاية الأهمية لحاضر البلاد ومستقبلها، ويستعد حزب العدالة والتنمية الحاكم لهذه الانتخابات المقرر إجراؤها في الصيف القادم من خلال التذكير بالقفزة النوعية التي تحققت في ظل حكمه، والترويج لمشاريع عملاقة سيتم إنجاز بعضها قبل نهاية هذا العام أو في الربع الأول من عام 2023، كالإنتاج التسلسلي للسيارة الكهربائية الوطنية “توغ”، وضخ الغاز الطبيعي المكتشف بالبحر الأسود إلى نظام النقل الوطني، وإطلاق أول وحدة طاقة لمحطة أكويو النووية، بالإضافة إلى عدد من مشاريع الصناعات الدفاعية التي نقلت تركيا إلى مصاف الدول الكبرى.

أنقرة حققت في الآونة الأخيرة نجاحات دبلوماسية لفتت انتباه العالم، وحظيت بتقديره وإشادته، كالجهود التي بذلتها لتجلس روسيا وأوكرانيا على طاولة المفاوضات، واتفاقية تصدير الحبوب من الموانئ الأوكرانية عبر ممر مائي، وإنشاء مركز تنسيق وقيادة رباعي مشترك في مدينة إسطنبول لمراقبة العملية وتفتيش السفن. كما أن الاستخبارات التركية كثفت عملياتها في محاربة الإرهاب بشكل غير مسبوق، وقامت بتحييد عدد من قادة حزب العمال الكردستاني في شمال العراق وشمال سوريا من خلال هجمات طائرات مسيرة أو عمليات قواتها الخاصة. إلا أن كل تلك الإنجازات والنجاحات الدبلوماسية والأمنية لا تجد صدى لدى المعارضة التركية ومؤيديها.

استراتيجية المعارضة التركية في مواجهة حزب العدالة والتنمية وحلفائه، هي شحن الناخبين بالكراهية؛ لأن الناخب المشحون بالكراهية التي تعمي الأبصار والبصائر، لا يعترف بأي فضل أو إنجاز لخصوم حزبه، بل يستاء من نجاحات الحكومة مهما كانت تلك النجاحات لصالح الوطن والمواطنين.

ويمكن القول بأن المعارضة التركية نجحت في تطبيق هذه الاستراتيجية إلى حد كبير، بدليل أن مؤيدي الأحزاب المعارضة غير مستعدين للاعتراف بإنجازات الحكومة، ولا للتصويت لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات، حتى لو بنى لهم قصورا من ذهب.

المعارضة التركية لجأت إلى كافة الوسائل التي يمكن استخدامها في شحن مؤيديها بالكراهية، على رأسها تأجيج العنصرية، والتحريض ضد اللاجئين، ونشر كمية كبيرة من الإشاعات والأنباء الكاذبة التي تخدم تلك الاستراتيجية. ومن المؤكد أن فشل الحكومة التركية في محاربة ظاهرة تأجيج العنصرية ونشر الأنباء الكاذبة

المعارضة التركية لجأت إلى كافة الوسائل التي يمكن استخدامها في شحن مؤيديها بالكراهية، على رأسها تأجيج العنصرية، والتحريض ضد اللاجئين، ونشر كمية كبيرة من الإشاعات والأنباء الكاذبة التي تخدم تلك الاستراتيجية. ومن المؤكد أن فشل الحكومة التركية في محاربة ظاهرة تأجيج العنصرية ونشر الأنباء الكاذبة، إلى جانب تساهل القضاء في معاقبة الواقفين وراء انتشار تلك الظاهرة ومرتكبي جرائم العنصرية والكراهية بشكل رادع، سهَّل مهمة المعارضة.

حزب العدالة والتنمية، كأي حزب سياسي، ارتكب أخطاء طوال سنوات حكمه، وأصابه بعض ما أصاب الأحزاب التي تحكم البلاد لعشرات السنوات بشكل متواصل. ومع ذلك، فهو يتمتع بشعبية واسعة، كما أن رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان هو المرشح الأوفر حظا في الانتخابات الرئاسية القادمة، في ظل إخفاق المعارضة في إيجاد بديل قوي لأردوغان يمكن أن يقنع الناخبين بأنه سيخدم البلاد أفضل منه، إلا أن هناك معايير أخرى تؤثر في ميول الناخبين، غير تقديم الخدمات وإنجاز المشاريع وتوفير الرفاهية. وإن لم يتنبه حزب العدالة والتنمية لهذه الحقيقة ويترك المجتمع التركي معرَّضا لموجات العنصرية والكراهية، فقد يتفاجأ بنتائج الانتخابات، ويخسر السباق الديمقراطي في الداخل، وسط انشغاله بتعزيز قوة تركيا العسكرية ورفع مكانتها بين دول العالم.

 

تركيا.. ما بين الإنجاز والأيديولوجية بواسطة / إسماعيل ياشا

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي “تركيا الآن”
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.