تركيا الآن.. عين على تركيا

ليتذمّر هؤلاء المفسدون كما يشاؤون  

2٬299

ربما لا يدرك هؤلاء البعض معنى الهجوم على أذربيجان من قبل أرمينيا التي تحتل أراضيها منذ 28 عامًا، بل إن هناك من يذهب لأبعد من ذلك لا سيما حيال الهجمات الأخيرة، ليقول أن أذربيجان هي التي بدأت بهذه الهجمات لا أرمينيا.

هذا على الرغم من أن هجوم أرمينيا له هدف واضح ومرئي للقاصي والداني؛ تخفيف الضغط عن احتلالها القديم باحتلال جديد، وبعبارة أخرى إنها تريد تحقيق مكاسب من الاحتلال. وذلك من خلال احتلال مساحات جديدة يمكن أن تتخلى عنها في المفاوضات، حيث تُشغل الطرف المقابل بالاحتلال الجديد ليصبح القديم أمرًا واقعًا وراسخًا. فهي إما أن تنجح باحتلالها الجديد وعندها يا لحسن حظها، أو أن تتراجع نتيجة ضغوط دولية ما، وحينها أيضًا لن يكون الأمر معقدًا؛ ستقوم بإيقاف هجماتها والتراجع ربما عمّا قامت باحتلاله مؤخرًا. وبذلك يكون احتلالها القديم بات أمرًا منسيًّا يُتغاضى عنه.

وأحيانًا تكون المفاوضات عاملًا لكسب الوقت، حينها يصبح الرجوع إلى الوراء أمرًا صعبًا، ليتحول الاحتلال إلى مكسب وأمرٍ واقع. لطالما كان هذا هو الحال في العديد من تجارب الاحتلال. على سبيل المثال، حينما يتم النظر إلى سعي إسرائيل الحثيث لبناء مستوطنات جديدة وتنفيذ عمليات ضم وإلحاق، فلا أحد سيتذكر حدود عام 1967. حتى حيّز الاحتلال الذي نقول عنه “حدود 1967″؛ ما هو إلا أراضي فلسطينية تمت خسارتها عام النكبة 1948، وبذلك صار احتلال 1948 حقًّا مشروعًا لإسرائيل بينما انشغل الجميع بالحديث عن حدود 1967. حتى أنّ وضع الفلسطينيين الذين أصبحوا بلا وطن جرّاء ذلك، بات طبيعيًّا روتينيًّا بحكم الأمر الواقع.

ومن جانب آخرن لو ظلت الأمم المتحدة بجميع قراراتها تُدين إسرائيل، وتدعوها للانسحاب من الأراضي المحتلة فورًا. فلن يتحقق أي شيء من ذلك ما لم تكن هناك عقوبات فعّالة تردعها، وإلا فإن إسرائيل ستواصل احتلالها بكل وقاحة، واثقة من أن الوقت سيُنسي الجميع.

أما الفلسطينيون أصحاب الأرض الذين وجدوا أن المقاومة هي السبيل الوحيد لإنهاء الاحتلال وظلوا يقاومون؛ فقد تم وصفهم بالإرهابيين. لماذا؟ لأنهم رجحوا المقاومة “العنف” على الحوار. بيد أن أبسط القواعد الفيزيائية تقول؛ حينما تكون هناك مقاومة في مكان ما، فإن مصدر الشدّة ليس في المقاومة، بل في القوة التي أدت إليها.

إلا أن المنطق الذي اعتادوا على استخدامه بشكل معكوس، يجعلهم يسمّون الأشياء بغير اسمها؛ الإرهاب، إرهابي، الاستقرار، الحوار. جميع هذه المفردات يتم تسميتها بما يرونه هم مناسبًا.

دعونا نسأل ما الذي استعاده الفلسطينيون من أراضيهم المحتلة، على مدار 55 عامًا بفضل “الحوار” تحت رعاية الولايات المتحدة والعالم كله. ؟ لم يربحوا سوى خسارة مزيد من الأراضي التي تقوم إسرائيل بإضافتها إلى ما احتلته.

ولذلك السبب نجد أن أذربيجان قد اختارت إيقاف اللعبة وبدأت بهجوم مضاد، وكلما حققت هجماتها تقدمًا ناجحًا. فإن العالم بأكمله نجده قد هبّ للدعوة لإيقاف إطلاق النار والعودة إلى الطاولة، من أجل منع إراقة مزيد من الدماء!.

ما الذي ستقدمه طاولة الحوار بعد الآن؟

لن يتغير شيء، بل سيعود الوضع لما كان عليه طيلة 28 عامًا، إلا أن أذربيجان انطلقت وانتهى الأمر، لأنها وجدت المجتمع الدولي لم يقدّم لها شيئًا طيلة 28 عامًا. أذربيجان في النهاية لا تفعل سوى أنها تحل المشكلة التي حاول العالم بأسره حلها. حينما وجدت أن المشكلة لم يتمكن أيُّ حوار من حلها، انطلقت نحو خيارات أخرى تضمن لها الحل. وبمعنى آخر. أذربيجان تحل المشكلة التي لم تستطع دول مجموعة مينسك حلها، او إقناع أرمينيا المحتلة لإنهاء المشكلة.

لو كنتُ مكان فرنسا وكندا وألمانيا وروسيا؛ أي الدول التي لم تتمكن من إيصال كلمتها لأرمينيا او إقناعها، لفضّلت السكوت في حياء وأنا أتابع ما تفعله أذربيجان صاحب الحق والأرض. من أجل إنهاء احتلال أرمينيا المتعجرفة والوقحة. على الجميع أن لا يقلق، فأذربيجان لم تقم أبدًا بأي مجرزة او انتهاكات بحق الناس المدنيين. لا داعي لأحد أن يخشى من أن تكرّر أذربيجان ما فعلته أرمينيا بمجزرة “خوجالي” قبل 28 عامًا، لأن أذربيجان لا تطلب الانتقام بل العدالة. ولا يمكن لأحد أن يعاقب أحدًا على جريمة لم يرتكبها؛ لا تزر وازرة وزر أخرى. إن أذربيجان لا تطالب بشيء أكثر من حقوقها.

كانت إحدى الأصوات التي دعت لـ “الحوار والاستقرار” هي من رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو. حيث أعاد ما تم ترديده سابقًا؛ لا يمكن حل المشكلة إلا عن طريق الحوار. ومن جانب آخر، ذكر ترودو أن بعض الأسلحة والذخيرة كندية الصنع. قد استخدمتها أذربيجان ضد أرمينيا، ليحذّر بل يهدّد أذربيجان بفرض عقوبات نتيجة ذلك.

أي نوع من التناقض هذا؟ على حدّ علمنا لم نسمع أي صوت من قبل كندا على مدار 28 عامًا. ضد أرمينيا التي كانت تهاجم أذربيجان بأحدث الأسلحة وترتكب فيها المجازر. ولذلك فإن ردة فعل أذربيجان اليوم نابعة من حق طبيعي يسمح لها بالتحرك لتحرير أراضيها من محتل ظالم مرتكب للمجازر. أعتقد أن هذه الصورة تشرح لنا بشكل كافٍ، أي نوع من الفهم تقوم عليه الاحتلالات والمجازر والمظالم في هذا العالم.

لو كانت هناك إرادة جادة لتحقيق حوار أو سلام. فإن ما يجب القيام به في المقام الأول هو الضغط بشكل جاد ومُلزم على الطرف المحتل من أجل إنهاء احتلاله ومغادرة الأراضي التي احتلها. أما الذين لا يقومون بأي محاولات أو لا يمكلون أية خطط أو نية من أجل ردع المحتل. وبدلًا من ذلك يقفون في وجه صاحب الحق الذي يريد إنهاء الاحتلال، فهؤلاء ليسوا سوى شركاء في جريمة الاحتلال.

وفي خضم كل ذلك يخرج وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، ليصرّح بأن “تركيا تقوض السلام والاستقرار في الشرق الوسط”. ألا يتناسب هذا الاتهام مع خضّم ما تحدثنا عنه قبل قليل؟

إذا لم نحمد الله على هذا التصريح فماذا سنقول إذن؟

يكفينا شرفًا أن يتذمر من تركيا أولئك المفسدون في هذا العالم، الذين يرون “الاستقرار” بالنسبة لهم مساحة تمكّنهم من الاحتلال. والضم والاغتصاب والانقلابات والتعذيب والانتهاكات والمجازر، أما تركيا فهي عثرة تعرقل مسيرتهم الباطلة. وليتذمّر إذن هؤلاء المفسدون كما يشاؤون هؤلاء . هؤلاء

.

ياسين اكتاي بواسطة / ياسين اكتاي  

قد يعجبك أيضا
تعليق 1
  1. أحمد البدراني يقول

    أذربيجان قضيتها عادلة وهي ترد على العدوان الذي تعرضت له ونسأل الله تعالى أن ينصر أخواننا الأتراك الأذريين في الدين والدم علي أرمينيا المحتلة لإقليم ناجورنو قرة باغ منذ ما يقارب ثلاثة عقود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد